اضرب المربوط يخاف السايب

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

 

إضرب المربوط يخاف السايب"

هز العصا في وجه "بتوع المجتمع المدني" والكتاب والاقباط

 

رؤوف مسعد*

يحتار المراقب أحيانا ً كثيرة في فهم تحالفات دولة العالم الثالث وعلى الأخص العالم العربي قافزة من تحالف إلى آخر مستتراً أو معلن و النتيجة غموض على غموض.

لنأخذ الدولة "في مصر مثالا:

فالدولة بمفهومها الحديث: كحكم ضابط للقواعد ومحدد للمصالح العليا (الإستراتيجية) لم تتخلق في مصر إلا بعد استقرار حكم أسرة محمد على داخل الحدود المصرية الجغرافية. أي جنوب البحر المتوسط من الشمال وصحراء سيناء من الشرق وحدود الصحراء الغربية من الغرب وحدودها التقليدية الدولية من الجنوب فوق نهر النيل وبحيرة السد العالي الآن. وتضم هذه المساحة من الأرض- الآن أكثر من ستين مليون من البشر ينخرطون في نشاطات سياسية ودينية واجتماعية مختلفة بل وعرقية أيضاً مثل أهالي النوبة الذين يتكلمون لغتهم النوبية بجانب العربية.

التحالفات السياسية لأسرة محمدعلي الحاكمة (التي لم تكن مصرية المنبت) حكمتها مصالح هذه الأسرة المباشرة بغض النظر عن محاولات تجميل نظرة الأسرة لمصلحتها ونظرة مؤسسها ووضعه- ووضع مصالح الأسرة- من قبل بعض المؤرخين المصريين في إطار مصلحة "الدولة المصرية"

بل ستجد أن " الأسرة" تلقي بالفلاحين المجندين في حروب خارج الحدود لحساب مصالحها لدى الباب العالي في الأستأنة أو ضده!

آخر هذه التحالفات كانت من آخر أفراد هذه الأسرة ( الملك فاروق) حينما مال باتجاه دول المحور في الحرب العالمية الثانية مما جعل بريطانيا المحتلة لمصر آنذاك تحاصر القصر الملكي بالدبابات وتفرض عليه وزارة الوفد في الحادث الشهير المسمي باربعة فبراير.

جرت تحالفات كثيرة بعد ذلك سرية وعلنية بين "دولة الجمهورية الأولي" ودول وأنظمة مختلفة رأسمالية وشيوعية واشتراكية وجمهورية و ملكية وأميرية.

هذا عن تحالفات الخارج

أما تحالفات الداخل والتي تهمنا هنا فهي كثيرة ومتناقضة بأت بتحالف مجموعة يوليو مع الشيوعيين والأخوان ثم نقض التحالف مع كليهما وأعتقال افراد التنظيمين والتنكيل بهم وإعدام البعض وقتل البعض الآخر تحت التعذيب.

ثم تحالف من جديد مع الشيوعيين والبساريين ضد الأخوان المسلمين وضد الهيمنة الأمريكية على المنطقة ومن يمثلها من الحكام العرب. ثم نقض التحالف مع اليسار في دولة الوحدة.

تحالف مع الطبقة الوسطي والعمال والفلاحين بمواجهة الرأسماليين والإقطاعيين. أحتواء اليسار داخل تنظيمات الدولة السياسية وفي بعض آلياتها الحاكمة.

في "دولة الجمهورية الثانية" حدثت الانقلابات على التحالفات السابقة وتأسست تحالفات جديدة: الإقطاع القديم بمواجهة الفلاحين.. الرأسمالية الجديدة بمواجهة العمال.. القطاع الخاص بمواجهة القطاع العام.. اليمين بمواجهة اليسار.

بالطبع هذا تبسيط للأمور. فالدولة- أية دولة- حينما تقيم تحالفاتها الجديدة بمواجهة القديمة تضع في اعتبارها مصالح الفئة الحاكمةم أيا كانت. هذه الفئة التي وصلت إلى الأماكن القيادية في الدولة. بغض النظر عن شرعية أو لا شرعية الوسائل التي أزاحت من أمامها من نافسها وقبضت بالتالي على مفاتيح الحكم.

المصالح المتغيرة بشكل مستمر بدون ثوابت واضحة تسبب بلبلة ليس فقط عند مواطني هذه الدولة بل للمجتمع الدولي الثابت في تحالفاته الداخلية والخارجية نتيجة لثبات مصاحله الإستراتيجية القومية العليا. هذه الثوابت جاءت ثمرة حروب دولية طويلة ومدمرة وصراعات داخلية اجتماعية وطبقية وسياسية ودينية. أدت في النهاية إلى الوصول إلى ثوابت قومية ترضي مجموع المواطنين في كل دولة ونظام حكم مستقر على أليات تبادل السلطة بشكل سلمي وديموقراطي طبقا لإرادة المواطنين الناخبين.

تغيير المصالح للمجموعة الحاكمة-فئة كانت أم طبقة- او تغيير هذه المجموعة ذاتها، يحتم بالتالي تغير التحالفات في مفاجئات غير متوقعة؛ يؤدي بالتالي إلي هزة في المجتمع تتابع أثارها مثل الزلزال و"توابعه".

بضعة شهور مرت بين موقفين متناقضين للدولة في مصر ممثلة في وزارة الثقافة وبالتحديد في وزير الثقافة السيد فاروق حسني: موقفه من معركة "الوليمة" والذى انسحب أيضاً على موقف الدولة والجماعة الثقافية المصرية والعربية. الوقوف في وجه ما أطلق عليه ساعتها "الهجمة الظلامية" وإغلاق صحيفة "الشعب" التي تبنت مقالات وشعارات معادية للوزير و "رجاله ومؤسساته".

ثم موقف الوزير ذاته من "الكتب الثلاثة" وموقفه الصارم "الأخلاقي" من طبعها ونشرها وتوزيعها وانسحاب هذا الموقف علي "رجاله" وعلى المؤسسات الثقافية المصرية وطال أيضاً الجماعة الثقافية العربية.

سُكب مداد كثير في تفسير موقف الوزير من المعركتين لن نخوض فيه هنا، فالأمر لا يحتاج إلى مزيد من التوضيح.. ولعل القارئ قد سئم أيضا من الإصرار علي تقديم هذا الطبق اليومي بعد أن برد ومسخ.

لكن ما الذي دعاني أن أثير- من جديد- ظاهرة تحالفات الدولة ونتائجها؟

أمران أثارا اهتمامي: الأول هو الأحكام التي صدرت في حق المتهمين في قضية الكشح الثانية..

والثاني هو فتح ملف مؤسسات المجتمع المدنى متمثلة في واحدة من أكبرها واشهرها وهي "مؤسسة أبن خلدون..والدكتور إبراهيم".

بالنسبة لقضية الكشح فلي "مصلحة" مباشرة فيها بحكم انتمائي الثقافي- والديني- للمسيحيين المصريين.. وبالنسبة للقضية الثانية فلم يكن لي مصلحة مباشرة فيها حتى قرأت ما قاله الإدعاء ونسب إلى سعد الدين تهمة التحريض الطائفي في قضيتي الكشح الأولى والثانية!

فتداخلت المصلحتان.

استقراء بسيط وسريع للواقع السياسي المصري التي يقدم لنا بعض الدلالات: نجاح 18 من مرشحي الأخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة (بالرغم من التضييق والعنت بمواجهة مرشحي الأخوان بل واعتقال بعض قادتهم ورموزهم).

ثم أيضا فشل المرشحين المسيحيين في اختراق حاجز التمثيل بل والايهام لبعض مرشحي الحزب الوطني (الحاكم) باستغلال آيات قرأنية تحض على عدم انتخاب غير المسلمين وتشبيه الأقباط بالإسرائليين (وليس باليهود).

نجد في الاتهام الذي وجهه الوزير لمناوئية في معركته الأخيرة "شيوعيون وملحدون وينشرون قلة الأدب والبارنوغرافي" رغم أن رئيسهم علي أبو شادي كان لفترة طويلة من انجح واحب مسئولي الرقابة على المصنفات الفنية (الأفلام والفيديو) للوزير وللجمهور مع اعتبار سهولة انسياب الأفلام في بلد نسبة الأمية فيه اكثر من خمسين بالمائة.. فما بالك بثلاثة آلاف نسخة من كتال لا بهتم بشرائه سوى المتخصص.

الاتهام ذاته الذي ألقى به الدكتور محمد عباس (مفجر أزمة الوليمة) في وجه رجال الوزير ومؤسساته آنذلك.. وكرره في دعاواه ضد كل من الناقد علاء الديب وإبراهيم اصلان وآخرين. وهو كسب حتي الآن حكمين قضائيين ضد علاء الديب وابراهيم أصلان لأسباب إجرائية كما قال لي علاء الديب وليس لثبوت تهمة القذف التي كان القاضي واضحاَ في أن المدعي محمد عباس لم يستطع إثباتها ضد المدعي عليه.

ليس هذا هو المهم.

المهم هو اتهام ممثل الإدعاء- ممثل الشعب والقانون والدولة- بتهمة التحريض الضائفي و"إثارة الكراهية" بين المسيحيين والمسلمين في مصر.. لابن خلدون كمؤسسة مدنية وبالتالي ضد الدكتور سعد الدين وزملائه.

نلاحظ هنا في الحالتين استغلال الدين، حالة محمد عباس الذى كتب مقاله الشهير "من يبايعنى على الموت" فخرجت طالبات الجامعة الأزهرية من مهاجعهن في مدينة نصر يطلبن الشهادة لنصرة الإسلام في مواجهة التطاول والإلحاد الذي زعم محمد عباس وجوده في صفحات "وليمة"حيدر مما أدى إلى إصابة عدد من البنات باصابات بالغة وفقدت واحدة منهن نور عين من عينيها.

وفي الإتهام الجديد لابن خلدون.

وسنجد أن الوزير يستخدم- هذه المرة- سلاح الدين ضد مناوئيه تماما كما استخدمه الآخرون ضده!

وهكذا في معرض دفاع الوزير- ومن خلفه الحكم والدولة- عن قراراته بمصادرة الكتب الثلاثة وإقالة علي أبو شادي وآخرين. أعلن الوزير انه يدافع عن القيم والتقاليد والدين والأدب (بمفهومه الأخلاقي).

لست هنا بصدد تقييم موقف الوزير أو الجماعة الثقافية المصرية والعربية لهذه الأزمة أو حتى الأزمة التي سبقتها.. ولست أيضاً بصدد تقييم الحكم القضائي في قضية الكشح الثانية الذي أخلى سبيل معظم المتهمين رغم وجود قتلى من المسيحيين فقط، فهذه جميعها سوف تجد مكانها وتحليلها المناسب حينما تتوافر للباحث الموضوعي المعومات الضرورية حتى يستطيع ان يدلي بدلوه في قضية خطرة كهذه تمس أعصاب الوطن.

أريد أن أشير إلى ما كشفته الأزمة الأخيرة من تداخل أوراق الجماعة الثقافية المصرية. هذه الأوراق التي كانت مخفاة تحت غطاء من الصمت محكم: مصالح خفية و "أكل عيش" بين أطراف كان الواحد لا يظن تآلفهم فما بالك بعلاقات مالية ثابته مثل "منحة التفرغ" التي تجعل بعض الكتاب الذين كانوا يتمتعون باحترام الكثيرين يفقدون احترامهم هذا وهم يتبارون في الهجوم على الكتاب الثلاثة واتهامهم "بالبلقنة وتنفيذ مؤامرة لاختراق العقل المصري والعمالة للسى أي ايه" كما قال كبير منهم في اذاعة صوت العرب الرسمية.

اربط- ايضاً- بين هجمة الدولة على منظمات المجتمع المدني متمثلة في القانون الذي وافق عليه مجلس الشعب (الماضي) والذي يشل حركة هذه المنظمات ويغلق الباب أمام مصادر تمويلها الأجنبية.. وبين اتهام سعد الدين ومركز ابن خلدون بإثارة الفتنة الطائفية (وهي تهمة قديمة تستخدم لتخوين الجماعة القبطية في المهجر حيبما تعلن عن استيائها لما تصلها من أنباء- بغض النظر عن وقتها- عن وضع الأقباط في مصر).. تهمة التخوين هذه أصبحت من التهم السهلة التي تطلق علي علتها.

أذكر بمانشيت صحيفة العربي الناصرية ومواقف اسرة السادات ثم تراجع واعتذار الصحيفة!... التخوين والتجسس والعمالة بمواجهة الرأي الآخر... ليس هذا فحسب بل النكوص والإعتذار!

نذكر جميعاً "تهمة التجسس لحلف الأطلسي" التي واجها سعد الدين في المرحلة الأولي من الاتهام. أعقبتها تهمة التعامل مع الموساد. اختفت التهمتان الأن لتحل محلهما تهمة "أثارة الفتنة الطائفية والنصب الدولي!". كما أعلن ممثل الإتهام والقانون والدولة.

حسب ما قرأت فالتهمة الموجهة لسعد الدين من عبارات مقتطفة من خطاب يُقال أنه أرسله إلى هيئة دينية غربية بيتحدث فيه عن "الغزو الإسلامي لمصر" ويزعمون قوله أيضاً "أن المسيحيين في مصر عانوا منذ الغزو الإسلامي التفريق في المعاملة".

في العام الماضي أثارت مجلة "وجهات نظر" الصادرة عن دار الشروق المصرية للنشر حوارا "هل دخل الإسلام مصر غازياً أم فاتحاً" وقال المؤرخون كلمتهم معززة- من وجهتي النظر- بالأسانيد والحجج.. ولم تقم الدنيا أو تقعد.. فهذا جدل قديم ولن يحسم أبدا.. يغرق في الشكليات بدلا من الجوهر. دخول الإسلام مصر ودخول مصر إلى الإسلام مضت عليه قرون طويلة واستقر في القلوب اصبحت له مؤسساته المدنية والإشتراعية. مثلما استقر الأمر بالدين المسيحي بعد أن اجتاز شهداؤه نيران الشهادة وصمدوا على دينهم ومبادئهم وعقيدتهم.

فلماذا إذن تتبني الدولة اتهاماً كهذا_ والآن- بعد ايام من صدور حكم المحكمة في قضية الكشح وتحميل مركز ابن خلدون خطيئة اشعال نيران الفتنة الطائفية. كيف؟ بكتابته تقرير الحالة الدينية في مصر والمنشور بشكل علني؟! أم أنه قال غزوا ولم يقل فتحاً؟ وكيف بالله نترجم فتحاً إلى الإتجليزية؟ دون أن نعطيها مدلولا آخر؟!

كالت الدولة مجموعة اتهامات- لكتاب ومبدعين ولمفكرين في مؤسسات المجتمع المدني، ومن حقنا أن نسائل.. لماذا اقام أعضاء مجلس الشعب ال18 نشاطهم البرلماني في بداية الدورة على "ثلاثة كتب" ذات توزيع سيئ وتركوا الانتفاضة والمنتفضين، هل لأن للأقصى ربـاً يحميه.. وان ما لا يقتل الفلسطيني يقويني؟!

لم نسمع منهم طلب إحاطة أو استجواب عن عدم وصول الدعم المادي العربي للانتفاضة.. أو خطة عربية غير عنترية لمواجهة المستجدات- المتوقعة- في فلسطين وإسرائيل.. أو عن القنابل المحرمة دوليا التي استخدمها الجيش الإسرائيلي ضد الإنتفاضة أو حتي عن المليارات التي فربها النصابون من البنوك المصرية.. أو..أو!

نلاحظ أنه كلما تصاعد الموقف في الأراضي الفلسطينية وداخل إسرائيل كلما تفتق عن أزمة داخلية من نوع آخر.. فها هو شارون الآن في الحكم.. لتأتي الأحكام في فضية الكشح الثانية.. تتبعها اتهامات الدولة لمركز ابن خلدون. وكانت في الطريق قضية تخوين السادات التي وصفتها صحيفة العربي بأنها "قضية العصر".. هكذا! وتحيط بالموقف كله كتب ثلاثة لكتاب لا يعرف عنهم المواطن المصري المطحون شيئا ولا يهمه أن يعرف وهو يحاول أن يفهم لماذا ارتفع سعر الدولار وتخطى سقف الجنيهات الأربعة ونحن في موسم الحج؟! أو لماذا أعلنت الطبقة الوسطى المصرية- في الحقيقة بقاياها!- التخلي عن الرقم " صفر" في هواتف بيوتها والذي سبب لهم الكوارث المالية المهولة وقنعوا بالتحدث إلى بعضهم البعض كل في حدود مدينته لا يجرؤ قاهري متوسط الحال على مهاتفة سكندري متوسط  الحال في مدينة الإسكندرية.. لم يعد يستطيع ذلك بعد أن ألغي الرقم صفر وبالتالي لم يستطع حتى التحادث مع آخر عبر هاتفه المحمول!

ها هي العولمة في ثوبها المتمصر، كل يقبع في قريته ويكتفي بالرسائل بواسطة الحمام الزاجل.

ثمة دهشة أخرى: الإدعاء العام استأنف الحكم الصادر في قضية الكشح طاعنا في قانونيته ومصداقيته.. فأين هذا من اتهام سعد الدين بأنه المتسبب في قتل المواطنين في الكشح؟

فمن ناحية نجد اتهامات ثقيلة لأشخاص ومؤسسات ناشطة طبقا للنظرية الأمنية "اضرب المربوط يخاف السايب" ومن ناحية اخرى نجد رسالة توجهها الدولة إلى "كل من يهمه الأمر في الداخل والخارج" بان جحا اولي بلحم توره.. وياداخل بين البصلة وقشرتها ما ينوبك إلا صنانتها؟ وهكذا ترسل الدولة رسالة إلى اقباط الداخل والخارج. في الحقيقة رسالتين.تحمل الأولى الإدعاء الذي يستأنف الحكم في قضية الكشح.. رسالة تقول "معلهش يا جماعة غلطة ونصلحها" خاصة وان الرئيس الجديد بوش يأتي من المنطقة التي يطلق عليها في أمريكا "حزام الأنجيل" منطقة متعصبة دينيا.

الرسالة الثانية إلى "بتوع المجتمع المدني وخزعبلات مماثلة" سيف التخوين مشهر.

رسالة إلي المجتمع الدولي ثالثة واخيرة: كله بالقانون!

 

 

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games