أن يصدقك إنسان وأنت كاذب فهذا لا يعني براعتك

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الأهرام الدولى: نص الخبر

 

أسطورة من قلب أسطورة

عادل صادق


أن يصدقك إنسان وأنت كاذب فهذا لا يعني براعتك‏,‏ لكن لأن الطرف الآخر يريد أن يصدق‏.‏ فكذبتك التي اخترعتها هي المخرج الوحيد له وحينئذ لا يملك إلا أن يصدقك حتي وإن كان جزء من وعيه يعرف أنك تكذب‏..‏ بل حتي إن كان كل وعيه يعرف أنك تكذب‏..‏ في هذه الحالة يلغي نصف وعيه غير المصدق بل هو علي استعداد لأن يلغي وعيه كله لأنه لا يريد أن يواجه نفسه بالحقيقة‏,‏ فالحقيقة تؤذي مشاعره‏,‏ أو الحقيقة تفسد عليه ما يريد‏,‏ أو الحقيقة تسد كل الأبواب أمامه ولا يبقي له إلا اليأس‏.‏ إذن أنت تكذب وأنا أعرف أنك تكذب لكنني أصدقك بل وأدافع عنك ضد كل من يتهمك بالكذب‏..‏ وهكذا الحال مع النصب والاحتيال والغش والخديعة‏.‏ ولذا فلا توجد ضحية‏.‏ وإذا لم توجد ضحية فلا يوجد جان بالرغم من أن الجريمة قد اقترفت‏,‏ أي تم النصب أو الاحتيال أو الغش أو الخديعة‏.‏ أو فلنقل إن الضحية هو شريك الجاني أو شريك المجرم‏..‏ إذ هو جان ومجرم‏..‏ وبذا تنتفي عنه صفة الضحية‏..‏ الضحية هو من اعتدي عليه ضد إرادته بينما هو يقاوم أو يرفض أو يرد العدوان انتقاما‏.‏
وتجري لغة خاصة وحوار خاص بين الكاذب وبين الطرف الآخر الذي يصدقه‏,‏ وهذا الحوار مؤداه أنني أعرف أنك كاذب وأنت تعرف أنني أعرف أنك كاذب والذي يدفعك إلي استمرار الكذب والتحدي هي أنك تعرف أنني أحتاج إلي هذه الكذبة‏..‏ ولذا فإنني استطعت أن أقنع نفسي بأنك لا تكذب‏.‏ أنا الآن أصدقك‏..‏ وإن لم أصدقك سوف أنهار لأن هذا معناه انعدام الأمل‏.‏ فلابد أن تظهر لي أنك تصدق تصديقي لك‏..‏ وبذلك تضيع الحدود الفاصلة بين الكذب والصدق‏,‏ بين الوهم والحقيقة بين الغش والأمانة‏.‏
والأسطورة ما هي إلا أكذوبة لكنها ذات دلالة ومعني‏..‏ ذات قيمة‏..‏ الأسطورة هي كذب تاريخي‏.‏ ومن قدمه ومن مدلولاته نصدق أنه حقيقة‏.‏
هكذا كانت المدينة كلها تؤمن بالأسطورة وتدافع عنها وعاشت تحت ظلها منذ آلاف السنين‏.‏ إذن هي أسطورة موروثة ولأنها موروثة فهي قابلة للتصديق ولقد جاءت إلينا من عند أجدادنا العظماء‏..‏ ولأنهم عظماء فإنهم لا يكذبون ولقد ملكوا أسرار الحياة والكون‏.‏
وهذه المدينة شديدة البساطة بالرغم من أنها تنام بوداعة في حضن أكبر المعابد وأفخمها‏..‏ المدينة هي التي تنتسب إلي المعبد وليس المعبد هو الذي ينتسب إلي المدينة‏.‏ وربما سبقت المدينة علي وجود المعبد‏.‏ ولكن من ير المعبد يشعر بأن المدينة تخضع له خضوعا تاما عشقا واحتراما وخضوعا أيضا‏.‏ وبما كانت المدينة سابقة علي وجود المعبد وربما تكبره اتساعا عشرات المرات إلا أن المعبد يظل هو المؤثر والمهمين وتظل الأسطورة قابلة للتصديق إلي أبد الأبدين‏.‏
المدينة سمراء كالح لونها‏.‏ أهلها من الضعفاء إنهم بسطاء ويصدقون أي شيء‏.‏ والراوي يحشي العقول ويسخن الأفئدة بحكاياته والتي لا يبقي منها بعد ذلك إلا المعني‏.‏
والحكايات متشابهة‏.‏ وكل حكاية تحكي عن معجزة‏.‏ إذن كل الأساطير هي معجزات ويجب ألا نسأل‏..‏ اسمع ولا تسأل‏..‏ اقتنع دون أن تسأل‏..‏ هكذا تحدث المعجزة لأنها بيد الخالق‏.‏ وهناك وسيط هو الذي يدلك علي الطريق‏..‏ وسيط هو أذكي الناس وأقلهم احتياجا لأنه هو الوحيد الذي لا يصدق هو الوحيد الذي يعرف الحقيقة‏..‏ هو الوحيد الذي ينفذ الخديعة‏..‏ هو الذي يعرف أصل الحكاية ولكنه صاحب المصلحة الأولي في أن يؤكد صدق الأسطورة‏..‏ وهو يتململ حين يسأل الناس‏..‏ وقد يتحول تململه إلي ثورة ليتهم فيها الآخرين بالكفر والإلحاد‏.‏ كيف لا تصدقون يا أولاد الـ‏....‏؟
سيغضب عليكم الله‏.‏ سيقذفكم بالحجارة‏,‏ أو يغرقكم بفيضان‏,‏ أو تهب عليكم رياح وأعاصير تقتلعكم من جذروكم‏.‏
إذن صدقوا‏.‏ وتقبلوا‏.‏ وإفرحوا‏.‏ ولا تسألوا‏..‏ الوسيط كان من أبناء المدينة ومن سلالة الذين بنوا المعبد‏.‏ صاحب وجه أسمر وطول زائد لا يتناسب مع العرض ولذا تقاربت عيناه ووقف بينهما الأنف الطويل وكأنه يفض منازعه بينهما‏..‏ كما ضاق الفم وغلظت الشفتان تعويضا‏,‏ وأخشوشن الشعر وقصر ونحل الجسد بشده وكأنه ذلك بسبب إفراطه في الطول إلا أنه كان يمتلك ابتسامة ساحرة وصوتا مقنعا‏..‏ الصوت هو أحد الأسباب الرئيسية للإقناع خاصة إذا كان مصحوبا بسحر الابتسامة‏.‏ في هذه الحالة يصدقونك حتي إن كنت تكذب خاصة إذا داعبت خيالهم بأمنية غالية‏.‏ آه‏..‏ إنها الأمنية الغالية‏.‏ الأمنية التي تستعصي علي الحل بالأساليب العادية أو الطبيعية أو حتي العلمية‏.‏
إذن لابد أن تسبق الحلم محاولات جادة أساسها العلم‏,‏ حتي إذا رفع العلم راية الاستسلام والهزيمة هنا ينبري الوسيط ويحكي الأسطورة‏.‏
والأسطورة تقول إن السيدة التي لا تحمل تستطيع أن تزور المعبد منفردة عند كل فجر لتستحم عارية بالندي وتتطيب بماء الورد وتنتظر مجيء الكاهن الذي تسكن روحه المعبد منذ آلاف السنين‏.‏ فإذا ظهر لها فهذا معناه أنه سيعالجها لتحمل بعد ذلك من زوجها‏.‏ أما إذا لم يظهر لها الكاهن فهي سيئة الحظ ولن تحمل أبدا‏.‏
ومنذ قديم الزمان والسيدات يترددن علي المعبد بنفس الطريقة التي وردت في الأسطورة‏.‏ وبعضهن يحملن والبعض الآخر لا يحالفه الحظ‏,‏ تماما مثلا روت الأسطورة‏.‏ الأسطورة المصدقة وكأنها واقع وحقيقة‏,‏ وكان الشاب الوسيط يتخذ المعبد سكنا له ليرعي الأرواح التي تسكن فيه يطعمها ويسقيها بما يجود به الناس هذا إذا حنت إلي طعام الأرض‏.‏
ولنتحدث قليلا عن هذا الوسيط‏.‏ إنه شاب من شباب المدينة ذو أصول قديمة ينبيء عنها شكله‏,‏ تعثر في التعليم فتركه إلي حرفه فلم يتقنها فهجرها‏.‏ ثم حلم بأنه عين خادما وحارسا للمعبد الكبير فانتقل للعيش في داخله وتصور بعض الناس أن له كرامات فحرصوا علي زيارته إذا مرضوا أو إذا كانت لهم حاجة ملحة‏,‏ في البداية كانت البنات تألفه لدمامته وقلة كلامه ولكن من بعد أن صار حارسا للمعبد بالأمر الروحي فإن كثيرا من النساء تبسطن في الحديث معه وقربوه إليهن وأشفقن عليه وأمطرنه بالهدايا‏.‏ وانتشرت عنه شائعة بأنه يميل بجنون إلي النساء‏.‏ وأن لديه قدرة جنسية فائقة ولكن سرعان ما اندثرت هذه الشائعة لثقة الناس به وسرعان ما مات أيضا الشخص الذي روج للشائعة في حادث مما زاد من إيمان الناس بكرامات الوسيط‏.‏
وصفة وسيط اكتسبها لأنه كان يتوسط للسيدة بدخول المعبد فجر كل يوم لتحمل وظن بعض الناس أنه يستطيع أن يتوسط لديهن عند الكاهن ليظهر ويحملن‏.‏
كل الناس كانوا يصدقون‏.‏ وكثير من السيدات علي مدي سنوات طويلة رزقن بأطفال بتأثير الكاهن ووساطة الشاب‏.‏ والحاجة كانت متبادلة للتصديق‏,‏ ولم لا نصدق وتاريخ المنطقة كله محاط بالغموض‏..‏ بل أشياء كثيرة جدا لم يتم كشف أسرارها وأنها حضارة عريقة تراكمت أسرارها بحيث أصبح من الواجب ألا تسأل وأن تقبل الحقائق كما هي‏..‏ بل من الأحوط ألا تسأل وإلا تعرضت لمخاطر سميت باللعنة‏.‏ وبذلك تعود الناس ألا يسألوا‏.‏ ومن كشف له عن سر فعليه بالصمت‏.‏ ولذا لم يكن أحد يجرؤ علي سؤال النساء المترددات علي المعبد ليحملن عما يحدث بالداخل ولم تجرؤ إحداهن علي الإفصاح كيف تم علاجهن‏..‏ لا أحد يسألهن ولا هن يتطوعن بالإفصاح عن شيء‏..‏ ولا أحد يقلقه أن يسأل فهكذا حكت الأسطورة والأسطورة صادقة ومنبتها حضارة عريقة تفوقت علي علم الحاضر‏.‏
والحقيقة أن هؤلاء الناس معذورون فالمدينة بسيطة وفقيرة وجاهلة والمعبد شاهق عملاق يخبر عن علم غزير كان ملك من بنوه‏.‏ إذن هناك جهل في مقابل علم وضعف في مقابل قوة‏.‏ وبساطة في مقابل غموض‏.‏ وواقع ملموس في مقابل تاريخ قديم‏.‏ إذن فهؤلاء البسطاء ليس لديهم أدوات الإثبات والنفي‏.‏
بل ليس لديهم الآليات العقلية التي تنقب عن أصل الأشياء بل لديهم من مثبطات الفكر ما يجعلهم يرتعدون لمجرد فكرة أن يسألوا‏..‏ وهنا إذا برز بينهم شخص واحد ذكي اتسعت عيناه واتسع عقله إلي خارج حدود المدينة وطالع الدنيا علي حقيقتها فإنه يستطيع أن يكذب وأن يصدقوه‏.‏ وإذا أراد تصديقا وخضوعا وابتزازا فإن عليه أن يلوح لهم بالأمل‏.‏
الآمل الذي من الممكن أن يتحقق علي يديه أي إذا عمل هو وسيطا‏..‏ المشكلة أنه هو أحيانا كان يصدق وبذلك يكون هو في نظر نفسه مدفوعا ملهما مختارا‏..‏ أي ليس كاذبا مخادعا‏.‏
ويبدو أنه بدأ يسهل لنفسه فكرة أنه لا يكذب‏..‏ لقد أراد أن يبدو أمام نفسه في صورة الصادق‏..‏ ولذا فإنه كان يدخل في حالة من تشوش الوعي وهو يجامع النساء اللاتي يأتين طلبا للحمل من روح الكاهن‏.‏ في السنوات الأولي كان يعي كل شيء‏,‏ ويؤدي كل شيء بيقظة تامة‏..‏ فكان يتلفع بعباءه سوداء‏.‏ ويهمهم بلغة غير مفهومة ويقترب من المرأة الراكعة العارية وينام معها‏.‏ ويتكرر ذلك خمس أو ست مرات علي مدي أربعين يوما تحمل بعدها أولا تحمل‏.‏ وهو الوحيد الذي يعرف أنه لا يوجد كاهن أو يحزنون‏.‏
ولكن في السنوات الأخيرة أصابه تغيير ما‏..‏ لقد أحب‏..‏ وكانت حبيبته فتاة صغيرة تزوجت من رجل طاعن في السن من وجهاء المدينة ذوي المال والسطوة‏..‏ وامتنع عنها الحمل فحملت ببركات الكاهن‏.‏ ولكن صاحبنا الوسيط أحبها وتصور أنه لن يستطيع الاستغناء عنها‏.‏
ولذا بدأ في المرحلة الجديدة وهي مرحلة أن يصدق أن ما يقوم به مع النساء ليحملن إنما يتم بدفع وتسليط ومباركة من روح الكاهن‏.‏
ولم يبذل مجهودا كبيرا في اقتناعها بحبه ودفعها إلي حبه كشاب له بركات خاصة‏.‏
وفي يوم من الأيام اكتشف الزوج العجوز اختفاء زوجته الشابة الحامل وعلي مدي أسبوع آخر تيقن أهل المدينة من اختفاء الوسيط‏.‏
ولم تسلم حادثة الاختفاء من أن تصبح أسطورة‏..‏ فقالوا إن السيدة الصغيرة أفصحت بالسر فعاقبها الآله بأن أجهضها أولا ثم دفنها حية‏..‏ وأن الآله أيضا عاقب أهل المدينة بحرمانهم من الوسيط ودفعه للانتقال ليعمل في معبد آخر بعيد‏.‏ وأخذ اللاتي يحتجن إليه يبحثن عنه في كل مكان فلم يجدنه فاستسلمن‏.‏ إلي أن ظهر وسيط جديد يساعد النساء علي الحمل من روح الكاهن‏.‏

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الأهرام الدولى: نص الخبر

 

 

 

 

 

 

 

 

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games