د. عبد
المنعم سعيد
عندما شرعت في كتابة هذا المقال كان قد مر
أكثر من عشرة أيام علي نشر مقال الشاعر
الكبير عبد الرحمن الأبنودي القطر
الشقيق!! في صحيفة الوفد الغراء يوم
الأول من فبراير, وحينما قرأته تصورت
أنه سوف يقلب الحياة الفكرية والثقافية
والسياسية المصرية رأسا علي عقب, ولكن
الأيام مرت, ومهما قلبت في الصحف
اليومية والأسبوعية, والصحافة
القومية والحزبية, لم أجد للصرخة التي
أطلقها صدي, فقد كان شاغل الجميع
لايزال قصة وزير الثقافة مع الروايات
الثلاث التي باتت شهيرة, والانتخابات
الإسرائيلية التي تشغلنا دوما مهما كان
الاعتقاد ذائعا أن جميع قادة إسرائيل
وجوه لعملة واحدة. ولعل الصرخة
ومردودها الصامت هو السر في أن واحدة من
أهم قضايا مصر المعاصرة لم تلق حتي الآن
ما يكفي من اهتمام وتركيز ومتابعة رغم
خطورتها الشديدة علي البناء المصري كله,
وعندما تطلق من كاتب في حجم وثقل
الأبنودي وتضيع في البيداء دون أن تقوم
القيامة وتقعد, فإن ثمة شيئا خطيرا
يجري في مصر ويجعلها غير قادرة علي تحديد
أولوياتها بشكل صحيح.
مقال الشاعر الكاتب كان عن الصعيد وجنوب
مصر وأحواله التي لا تسر وربما لا تدعو
إلي شيء غير التعاسة, وجاء الاستهلال
لكي يلخص الموضوع كله:قال صديقي
الصعيدي: أنتم مثل إسرائيل لا تختلفون
عنها في شيء إذا أرهبناكم تذكرتمونا
وبدأتم تفاوضوننا, وإذا غفرنا لكم
أهملتمونا. بعد القاهرة بشبر واحد لا
لا تعرف الدولة عن مصر شيئا, توضع
الخطط الاقتصادية والسياسية بوعي
القاهرة وتبعا لمصالح القاهرة وبحري.
ذلك أن المهيمن علي الأحوال والأموال من
بحري. لقد وحد الملك مينا القطرين
لكنكم عدتم لفصلهما في زمانكم الجميل حتي
لقد صار هناك مصران: مصر بحري ومصر
الجنوب, وصار يمكن لكم الآن بثقة أن
تطلقوا علينا القطر الشقيق!!.
الكلام بعد ذلك حريف وموجع ومغموس في
العلقم, وكله عن الفجوة بين شمال مصر
وجنوبها من حيث التنمية والفرص
والمشاركة في الحكم. وربما لا يكون في
ذلك جديد, ولكن الجديد هو أن الاهتمام
المتقطع والأقل مما يلزم بأهل الصعيد
يأتي بعد التمرد والعنف والإرهاب,
وبالتالي يصعد ما كان يجري بالهمس وفي
مكنونات الصدور إلي السطح في صفحات الوفد
محذرا ومنذرا من نفاد الصبر وفيض الفيضان
الذي يغدر بالمدن والقري ويغرق الزرع
والضرع والكبير والصغير والغريب والقريب.
صحيح أن الكلام كله يأتي علي لسان صديق
صعيدي, ولكنه ذلك الصديق الكامن في
الصدر ويدفع الشاعر الكبير إلي البوح
والصراخ والتحذير لوطن أحبه ووقع في
غرامه ولم يكف للحظة عن الذود والدفاع
عنه, ولكنه حتي الآن لم يقابله وادا
بود, ووجدا بوجد, وحبا بحب, حيث
تصل الثروة إلي الجميع, والسلطة إلي
الجميع, ويكون للكل فيما يجود به نصيب
لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوي,
ولا لمسلم علي مسيحي إلا بالعمل, ولا
لشمالي علي جنوبي إلا بالاجتهاد.
وقد أعاد المقال بالذاكرة إلي نهاية
الثمانينيات عندما اطلعت لأول مرة علي
دراسة أعدتها هيئة المعونة الأمريكية عن
حالة المجتمع المصري, وبرغم أنها رصدت
أحوالا محزنة لبلد فقير من حيث المؤشرات
العامة للتنمية, إلا أن المقارنة بين
شمال مصر وجنوبها كان أكثر مدعاة للحزن
حيث كانت المفارقة صارخة في كل المؤشرات
من الدخل إلي التعليم, ومن العمر
المتوقع عند الميلاد حتي كل مؤشرات الصحة
العامة. كانت المقارنة صارخة إلي
الدرجة التي تقول بوجود مجتمعين في مصر,
كلاهما فقير في المجموع والمتوسط,
ولكن الفارق بينهما يماثل الفارق ما بين
الأقل فقرا, وأكثر بلدان العالم غني.
ولو أن مثل هذه الدراسة كان لها تأثير
ربما لكانت مصر كلها قد تجنبت موجة إرهاب
التسعينيات كلها, وعبرنا كلنا ذلك
الجسر الفاصل ما بين الدول الأقل نموا في
العالم إلي خانة الدول المتوسطة.
ولكن لو تفتح بابا للشيطان, وعلي أي
الأحوال فقد جري ما جري, وجاء معهد
التخطيط القومي بتقريره المهم عن
التنمية البشرية في مصر ليلفت النظر مرة
أخري إلي ما توصلت إليه دراسة المعونة
الأمريكية قبل ذلك بعقد. وعندما جري
ترتيب المحافظات المصرية حسب نوعية
الحياة فيها, كانت محافظات الصعيد في
القاع باستثناء أسوان والجيزة, وربما
لن يكون مدهشا لأحد أنه في قاع القاع كانت
هناك محافظة المنيا, وقبلها أسيوط,
وقبلهما الفيوم, وهي المحافظات
الثلاث التي أنتجت الأغلبية الساحقة من
الإرهاب. وبرغم أن هذا التقرير أشار
عاما بعد عام إلي حقيقة التقسيم التنموي
في مصر, وكان ذلك أساسا في خلق أول
اهتمام جدي بقضايا التنمية في الصعيد من
خلال المدن والمناطق الصناعية الجديدة,
بل ربما كانت سبب الأسباب في مشروع توشكي,
إلا أن الاهتمام وتوجيه الموارد لايزال
أقل بكثير مما تقول به الحال حتي فضحه
مقال الأبنودي الذي لابد أن الجميع قرأه
وبعد ذلك نظرت العيون إلي الناحية الأخري.
ويرصد الدارسون أسباب كثيرة لتخلف
التخلف في الصعيد, منها اختناق الوادي
حتي تطبق الصحراء علي النهر فتضيق حال
الزراعة والصناعة, وقرون طويلة من
الإهمال وعدم الاهتمام منذ أيام الولاية
وحتي أيام الجمهورية حتي صغرت مصر لتصير
القاهرة, وهجرة رأس المال والمثقفين
والمتعلمين من الجنوب إلي الشمال فلم يبق
من يقود التنمية, والعادات والتقاليد
العتيقة التي تحصد مع الأرواح فرص
الاستثمار القليلة. ولكن الكاتب
الكبير يلفت نظرنا إلي المسئولية
الجماعية للوطن عن جميع أرجائه, وغياب
المشاركة التي تنقل الأنين والأوجاع
التي عبر عنها الصديق بصدق المحب الجازع
علي القربي وصلة الرحم منذ وحد مينا
القطرين علي مدي خمسة آلاف عام أو تزيد.
ولعل هناك سببا إضافيا سقط من بين كل هذه
الأسباب, وهو اهتمام النخبة المصرية
بيمينها ويسارها, وشمالها وجنوبها,
وحضرها وريفها, ومن عاش منها علي
النهر ومن عاش علي البحر, فكلها مهتم
بكل شيء في العالم إلا أحوال المصريين.
ولا يحتاج الأمر إلي أكثر من تحليل
للمضمون للصحافة والإعلام ومجلات الفكر
ودوريات البحث والكتب المعروضة في معرض
القاهرة للكتاب وسوف نجد كل شيء من
العولمة حتي التراث, ومن أوجاع
بوركينا فاسو حتي مأساة أطفال العراق,
ومن قضايا المعاصرة حتي أحلام ما بعد
الحداثة, ومن الوليمة التي جرت لأعشاب
البحر حتي الجريمة التي جرت للروايات
الثلاث, ووسط ذلك كله تغيب مصر وأهلها
وحالتها وأحوالها, ومن بحري للصعيد يا
قلبي لا تخزن كثيرا!