كبرياء   و أخلاق كانت يوما

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الأهرام: نص الخبر    
تعليق

 

كبرياء   و أخلاق كانت يوما
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

 
هما صديقان لواحد منهما مزرعة ليست للثاني‏.‏ وحدث أن أجري صاحب المزرعة مشروعا لتربية العجول‏.‏ كان رأسمال المشروع مائتين وخمسين جنيها‏.‏ وإني الآن أري الدهشة البالغة واسمع القهقهات العالية‏,‏ فهذا المبلغ اليوم يكاد لا يشتري زوجا من الأحذية‏,‏ وأنا قائل لمن تولته الدهشة ولمن تفجرت منه القهقهة‏:‏ هون عليك فهذا المبلغ كان منذ أربعين عاما ثروة ذات شأن عظيم فإذا عرفت هذا واستقر في وجدانك فأطلق زمام قلمي لأكمل لك القصة‏.‏
نجح صاحب المشروع في مشروعه وكسب مبلغا عظيما‏..‏ تصور أنه كسب من المائتين والخمسين جنيها خمسين جنيها كاملة‏!‏

وروي صاحب المزرعة لصديقه قصة مكسبه الذي بادر وأعطاه مائتين وخمسين جنيها وطلب أن يشاركه في الصفقة التالية‏.‏
وتربية العجول تستغرق فترة طويلة‏:‏ سنة أو أقل قليلا من الزمان واشتري صاحب المزرعة العجول وحين باعها خسر مايقرب من مائة جنيه ومع خبر الخسارة جاءه نعي صديقه المفاجيء‏.‏ ولم يقع صاحب المزرعة في حيرة فقد كان يدرك تماما ما عليه أن يصنعه‏.‏

انتظر أياما وذهب إلي زوجة صديقه وقد كان ـ رحمه الله ـ يكتم أمر المشاركة علي زوجته وفوجئت الزوجة بصديق زوجها يخبرها بما أعطاه زوجها له وفوجئت به يقول لها كاذبا عن عمد كذبا رفيعا غاية في الرفعة والجلاء والوفاء‏:‏
ـ لقد ربحت تجارتنا مائة جنيه‏,‏ للمرحوم خمسون منها ها هي ذي‏.‏

ولم يعرف قصة الصديق السامق السجايا إلا أنا وعن طريق المصادفة المحضة واختزنتها في أعماقي سنوات طوالا‏,‏ وهاأنذا أجد نفسي أروي لك معتذرا لنفسي عن إفشائها بالسنوات الطوال التي تفصل بين وقوعها وبين روايتي لها‏.‏
وواقعة أخري أجد لها في نفسي صدي كريما وأري حتما علي ألا أحبسها عنك‏.‏

باع أحد الأثرياء قطنه وكان مكونا من قناطير كثيرة وسمع أهل بلدته بالثمن الذي باع به فأنابوا رجلا محترما منهم جاء إليه وقال‏:‏
ـ مباركة صفقتك في القطن‏.‏
ـ بارك الله فيك‏.‏
ـ أتسمح لنا أنا وبعض الملاك الآخرين أن نبيع قطننا مع قطنك‏.‏
ـ مرحبا بكم وأهلا وسهلا‏.‏

ومر علي الصفقة يومان وإذا بالبورصة ترفع ثمن القطن ارتفاعا كبيرا وكلم التاجرـ الذي اشتري ـ البائع الأصلي وقال له‏:‏
ـ أنا لا أحب أن أسبب لك الخسارة ولك أن ترجع في الصفقة‏.‏

ـ معاذ الله أن أرجع في كلمة قلتها وبارك الله لك فيما ربحت ولكني أرجوك أن تدعني أنتظر كلمة الآخرين الذين اشتركوا معي في الصفقة فإني أكره أن أسيء إليهم بمحافظتي علي كلمتي‏.‏
وما إن وضع صاحب الصفقة سماعة التليفون حتي جاء إليه الحاج إسماعيل الذي أنابه أصحاب الأقطان في إتمام البيع‏,‏ وقال الحاج في جلال وعظمة‏:‏

ـ إننا واثقون أنك ستحافظ علي كلمتك مع ما تكلفك من خسارة‏.‏
ـ هذا هو فعلا الذي حصل‏.‏

ـ ونحن لاننزل كلمتك ولا كلمتنا الأرض نحن نبيع معك بنفس السعرالذي اتفقنا عليه ولتكن الخسارة ماتكون‏.‏
ذلك مثلان رفيعان أحس فيهما أن أمثالهما يجعل الدنيا وضيئة مشرقة تستحق أن تعاش‏.‏

وأذكر تاجرا ثريا اشتري مني بضاعة بثمن مقسط أعطاني في مقابله كمبيالات بخلا منه وشحا‏.‏
وقبل أن يحل موعد الكمبيالة الثانية بيومين وجدت أن موعد تجديد الرخصة لسيارتي قد حل وإنه ليس أمامي إلا يوم واحد ولم يكن معي قيمة التجديد‏.‏

ـ قصدت إلي التاجر أطلب منه أن يسدد الكمبيالة التي كاد موعدها يحل وذكرت له موضوع الرخصة‏.‏
وإذا بالتاجر الواسع الثراء يأبي ويصر علي إبائه‏.‏
مثل حقير من الشهامة الضائعة والحقارة الوضيعة‏.‏
وعلينا نحن البشر أن نعتذر للأسافل بما يفعله الأكابر‏.‏

ـ وسبحان مركب الطبائع ومشكل الأخلاق‏,‏ وأنه سبحانه سيعاقب المسيء بإساءته وسيثيب المحسن بإحسانه ـ جل علاه‏..‏
 
 
 
 
 
 

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 
أعلى الصفحة

الأهرام: نص الخبر

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games