نقد النقد‏..‏ والعقل العربي

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

  

41795 ‏السنة 125-العدد 2001 مايو 12 ‏18 صفر 1422 هـ السبت

نقد النقد‏..‏ والعقل العربي
بقلم‏:‏ محمود مراد

يبدو ان الآثار الفكرية والثقافية لمكتبة الاسكندرية قد بدأت بالفعل قبل افتتاحها رسميا إذ شهدت الساحة الثقافية مؤخرا عدة أنشطة فاعلة منها مؤتمر مهم دعا إليه منتدي حوار الحضارات بالهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية ـ وهي هيئة فاعلة ولها أنشطة متعددة وتعد أحد النماذج المضيئة التي تتصدر النشاط المدني في مصر ـ وكان المؤتمر عن‏:'‏ دور مكتبة الاسكندرية في دعم ثقافة الحوار والتسامح‏'.‏ والذي جري إفتتاحه بكلمة من السيدة سوزان مبارك ألقاها الدكتور اسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الاسكندرية وقد أشارت سيادتها إلي المؤتمر وبأنها كانت تود المشاركة بها وذلك في كلمتها أمام مؤتمر آخر عقد في ذات اليوم مما شد الاهتمام وزاد من حماس المشاركين لكني أعتب علي الاذاعة وكذلك التليفزيون خاصة قناته الثقافية وقناته الخامسة السكندرية لعدم متابعة المؤتمر وكان حريا بها ان تسجله بمناقشاته لما دار فيه من حوار علمي ولنوعية المشاركين فيه من المثقفين والمهتمين‏.‏
ولقد دارت في المؤتمر ـ كما أشرنا ـ مناقشات عميقة حول موضوعات منها‏'‏ دور المكتبات في الحضارات القديمة‏'..‏ و‏..'‏مكتبة الاسكندرية بين الماضي والحاضر والمستقبل‏'..‏ و‏..'‏ معوقات في طريق الفكر الانساني‏'..‏ و‏..'‏ دور مصادر المعرفة في إزدهار ثقافة الحوار والتسامح وقبول الآخر‏'.‏

ومن خلال ما جري كان هناك تركيز علي نقد العقل العربي‏..‏ وهو ما نحاول هنا ان نتناوله ـ بالاختلاف أكثر من الاتفاق ـ أي لنمارس ما يمكن ان نعتبره‏'‏ نقد النقد‏'..‏ ولنتناول حالة ـ كنموذج وهي دراسة أو بحث واحد من المثقفين اللامعين في الحركة الثقافية المعاصرة وأعني السفير ـ بالمعاش ـ حسين أحمد أمين الذي قطع بأن العقلية العربية لا تقبل النقد اعتقادا منها بأن‏'‏ الناقد المادح مأجور‏..‏ والناقد القادح مسعور‏'‏ وعاب علي عدم الموضوعية في الصحف والمجلات قائلا‏:'‏ ما السبب في انه كلما كان هناك خلاف في الرأي حول مسألة تتصل بالدين أو بالسياسة أو بالنهج الاقتصادي أو حتي بتقييم مسرحية أو فيلم كان من الصعب علي الناس في عالمنا العربي ـ عامتهم وعلماءهم ـ ان يناقشوا الأمر في هدوء ودون انفعال ودون سباب وتكفير وتخوين وان يجادلوا بالتي هي أحسن‏.‏
وفي بحثه عن السبب في هذه النتيجة التي توصل إليها قال ان الدين بريء من هذه الظاهرة‏..‏ وأرجع السبب إلي عدة اعتبارات أولها‏'‏ تكوين العقلية العربية‏'‏ التي لا تري من الألوان غير‏'‏ الأبيض الناصع أو الأسود القائم‏'..‏ وذلك بسبب طبيعة الصحراء التي تركت أثرا عميقا في شخصية العربي وتكوينه الثقافي ففي الصحراء يعقب الشتاء القارس‏..‏ الصيف القائظ والبدوي يصادف بعد السفر الطويل في أرض جرداء‏..‏ واحات وافرة الخضرة فليس من المستغرب إذن ان نجد العربي في مسلكه الشخصي ينتقل من حال الهدوء والاستسلام والتوكل بغتة إلي إنفجار عاطفي مدمر‏'.‏

ويضيف‏:'‏ وقد أثر هذا التكوين النفسي في أحكامه ـ أي العربي ـ فكان فيها شديد الميل إلي المبالغة لا يحسن غير المباركة أو اللعن ولا تخطر بباله ضرورة إلتزام الدقة فالدقة انماهي من معالم المجتمع الصناعي ومن المقتضيات الأساسية للحياة فيه والفرد فيه أن اغفلها دفع ثمنا باهظا لهذا الاهمال أما الفلاح أو البدوي فهو يطلق الكلام علي عواهنه دون أن يؤدي ذلك إلي خطأ‏..‏ ولا يمارس الدقة‏.‏
ثم يذكر ـ إضافة الي الصحراء ـ إعتبارا آخر هو مفهوم العرب عن السنة ـ بتشديد السين وضمهاـ فهي لغة الطريق طريق الأسلاف الذي ثبت انه في أسفارهم في الصحراء يقودهم الي واحات وعيون لولاها لهلكوا وبالتالي أصبح من الخطر ومن المكروه ان ينحرف الفرد قيد أنملة عن طريق الآباء والأجداد‏.‏ وهذا ما يعبر عنه المثل الشعبي المصري‏'‏ اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش‏'..‏ وقد ورث العرب في كل مكان هذا الموقف العقلي وهذه الكراهية للبدعة وللرأي الجديد في أي ميدان من الميادين‏.‏

ثم يسوق حسين احمد أمين اعتبارا ثالثا هو سلبية المثقف العربي واستسهاله الإذعان للسلطة‏..‏ وذكر في هذا المجال واقعة تلميذ اعترض علي وزير التعليم علي مبارك فاثار إعجابه وتقديره‏..‏ وقال الباحث ان هذه المحاولة لم تتكرر إذ أنه في عهد الخديو اسماعيل ـ كما تروي كاتبة أجنبية ـ قال أحد النواب المصريين في المجلس النيابي الذي أنشيء‏'‏ إننا ـ أي النواب ـ عبيد أفندينا فكيف نكون معارضين لحكومته‏'‏ وذكر هنا المثل الشعبي‏:'‏ من يتزوج أمي‏..‏ أقول له يا عمي‏!'.‏
هكذا قال الباحث المثقف المعروف الذي نكن له الاحترام ولكنا في نفس الوقت نختلف معه فيما ذهب إليه ونري انه وقع فيما نعاه إذ أصدر حكما عاما مطلقا ضد العقل العربي والمثقف العربي واستشهد أو إستدل علي ذلك بعدد من السلبيات في حين أغفل إيجابيات أكثر‏..‏ كما انه أوضح تأثير الجغرافيا علي التكوين الثقافي والنفسي في حين ان هذا البعد الجغرافي لا يتوافر إلا في جزء معين من البيئة العربية وأعني به شبه الجزيرة بينما الأجزاء الأخري مختلفة فمنها مثلا‏:‏ مصر ـ أكبر الأجزاء ـ وهي دولة النهر والبحر والتي توصل عقلها إلي فكرة‏'‏ الوحدانية‏'‏ وأبدع إنجازات علمية وتكنولوجية فائقة لا تزال بعض أسرارها غامضة حتي الآن ومنها العراق وهي دولة الرافدين والجبال وبها كانت حضارة بابل ومنها الحضارة الفينيقية في الشام ـ سوريا ولبنان والأردن وفلسطين ـ وهي دول بحر وانهار وجبال‏..‏ وهكذا‏..‏ مما يجعلنا نقول ومن واقع بحث حسين أحمد أمين انه متأثر بصورة قديمة لشبه الجزيرة العربية وأغلب الظن انه قد استمد مفردات هذه الصورة من كتابات أجنبية غريبة صورت ولا تزال تصور العربي علي انه عباءة وخنجر وسلوك متخلف وهذا ليس موجودا الآن بل أدعي انه لم يكن موجودا حتي في
عصر الجاهلية فإن صفة الجاهلية هذه جاءت نسبة إلي الجهل بالدين قبل الرسالة المحمدية أما في غير ذلك فقد كانت هناك حركة ثقافية من خلال حوار وابداع في‏'‏ دار الندوة‏'‏ و‏'‏سوق عكاظ‏'‏ و‏..‏ معلقات أمرؤ القيس‏!‏
وإذا كان البحث قد ذكر المثل المصري‏'‏ اللي تعرفوا أحسن من اللي‏..'‏ فقد كان الأجدر ان يكون هذا في إطاره الصحيح وموقعه من سياق الحياة‏..‏ فان هناك ـ علي الوجه الآخر ـ أقوالا مثل‏:'‏ الساكت عن الحق شيطان أخرس‏'..‏ و‏..'‏ قل الحق ولو علي نفسك‏'..‏ و‏..'‏عقلك في رأسك تعرف خلاصك‏'‏ وهكذا‏..‏ وإذا كان قد ذكر مثل‏'‏ اللي يتجوز أمي‏..'‏ فان هذا وغيره أمثلة ـ إما مؤقتة لمواجهة موقف معين‏..‏ وإما انه مثل رديء في مقابل عشرات من الأمثلة العاقلة والحية والإيجابية‏..‏

وإذا كان قد ذكر ـ نقلا عن مصدر أجنبي ـ قول النائب في الجمعية التأسيسية‏..‏ فلماذا لا يفكر في ان هذا المصدر الأجنبي مغرض يريد القول اننا لا نستحق الديمقراطية ولماذا لم يذهب في تحليله الي ان هذا القول براجماتي وصولا إلي انتزاع الحق‏.‏ ولماذا يصبح هذا النائب هو المثل في حين ان عشرات غيره أخذوا موقفا معاكسا‏..‏ والدليل علي ذلك الحركة الوطنية ـ وطليعتها المثقفون ـ التي قامت في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر واستمرت مع بدايات القرن العشرين حتي كانت ثورة‏1919‏ والنهضة الفكرية والثقافية المعروفة والتي استمرت بعد ذلك‏..‏ صعودا وهبوطا‏.‏
لعلي أيضا أضيف وبسرعة ان الصناعة بالفعل تتطلب الدقة‏..‏ ولكن الزراعة أيضا لا تقل عن هذا‏..‏ بل أنها تعتمد علي العقل والحكمة في حساب الزمن وفي استنبات وزراعة الأرض ومراقبة وجني المحصول وفي التعامل مع المياه‏..‏ والرياح‏..‏ والمناخ‏!‏

وأقول ان دراسة الشخصية وسلوكياتها‏..‏ ينبغي ان تضع في اعتبارها العامل السياسي والوضع الظرفي والإطار العام للحياة‏.‏
والخلاصة ان العقل العربي بخير‏..‏ وان المثقف العربي بخير‏..‏ وان الاثقال التي تحملها ـ العقل والمثقف العربي‏..‏ أكبر بكثير مما تحملها غيره‏..‏ وهو الذي قاد التنوير والنهضة ولا يزال يقودها‏..‏

صحيح ان هناك مثقفين سلبيين‏..‏ لكنهم قلة قليلة وعلي من يعترض فان عليه ان يدرس دور المثقف العربي وتضحياته‏.‏
ونضيف ان الشخصية العربية أيضا بخير‏..‏ ويكفي انها ـ إلي حد كبير جدا جدا ـ قد حافظت علي نقائها حتي الآن رغم كل ما عانت منه‏..‏ وكل ما خاضته‏..‏ وكل ما عركته‏.‏

وإذا جاز لي فانني أذكر ان كثيرين قد ركزوا علي السلبيات ـ مثل حسين أحمد أمين ـ وقالوا مثلا ان الشخصية المصرية تتصف بالخنوع والخضوع بل وقالوا انها مستسلمة غير قادرة علي الحرب والقتال‏..‏ في حين انها عكس ذلك فهي ـ في عصور ظلم واستبداد ـ تتقوقع داخل قشرة رقيقة لتحمي نفسها وتستعد حتي تنتفض وتنتصر‏..‏ وهذا ما حدث ولا داعي لتكرار التاريخ لكن فقط يكفي ان‏'‏ المصري‏'‏ قد حافظ علي نفسه ونقائه ولغته وثقافته وفنونه وانه ـ في عصور الانهيار والتدهور ـ قد حافظ علي التراث الاسلامي والثقافي‏.‏
وعلي أي حال فاذا كان هذا المقال‏..‏ محاولة‏'‏ نقد‏..‏ النقد‏'‏ فانه ينبغي الاشادة بمكتبة الاسكندرية ودورها الذي بدأ مبكرا قبل افتتاحها لإثارة القضايا وفتح شهية الحوار‏..‏ وكل الأمل ان ننشط في نقد الذات‏..‏ دون جلدها‏!.‏ وان نشارك إيجابيا في الحوار الذي من قواعده الرئيسية اعتماد الموضوعية بذكر السلبيات دون إغفال الإيجابيات‏..‏ وبتحليل يستند إلي المعلومات الموثقة والأبحاث الميدانية دون خلط‏..‏ وبالوصول إلي النتائج دون القفز علي المقدمات‏!.‏

 


 

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games