إنقلاب هيكل

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

  

إنقلاب هيكل


الكاتب المصرى محمد حسنين هيكل

كتب عمرو سليمان : علي مدار سنوات طوال ، وبخاصة في السنوات الخمس الأخيرة ، ظلت آراء الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل وتحليلاته السياسية مثار جدل واسع - وصاخب أحيانا - في أوساط النخب السياسية والمحافل الفكرية والثقافية ، ليس فقط علي صعيد الساحة المصرية ، وإنما أيضا في الساحة العربية والإقليمية .
وفي حواره الأخير مع جريدة " صوت الأمة " خرج علينا هيكل - كعادته - بالعديد من هذه الآراء المثيرة للجدل ، والتي تصل أحيانا إلي حد التراجع عن آرائه السابقة في نفس القضايا ، بينما في أحيان أخري يبدو هيكل متناقضا مع نفسه .
ولعل أول ما يسترعي الانتباه في حوار هيكل هذا ، هو ذلك الإلحاح الشديد والإصرار المتزايد علي فكرة تنحية الدين - الإسلامي والمسيحي معا - جانبا من شتي مناحي الحياة المصرية ، بل إن هذا الإلحاح يصل إلي حد محاولة الإيحاء - تلميحا في بعض الأحيان ، وإسقاطا في أحيان أخري ، وصراحة في موضع ثالث - بأن أغلب مشاكل المصريين سببها إقحام الدين في شئون الحياة الدنيوية ، وهو في سبيل محاولة ترسيخ هذه الفكرة في عقول قرائه ، نجده يقع - رغما عنه - في تناقض واضح مع نفسه ، مثلما حدث عندما طرح - مثلا - تصوره لطبيعة الأزمات التي يفتعلها أقباط المهجر حول اضطهاد الأقباط في مصر ، إذ نراه يؤكد - عن حق - أن " هذا البلد (يقصد مصر) كتلة إنسانية واحدة ، سبيكة إنسانية انصهرت مع بعضها عبر التاريخ " لكنه سرعان ما يعود ليناقض نفسه حين يستطرد - في نفس الفقرة - قائلا : "لكن هذا لا يمنع وجود ظواهر فعلية (يقصد ظواهر سلبية بالطبع) تجئ من اختلاف في العقائد ، يزيد عليه اختلاف الظروف (هكذا بصيغة عامة دون توضيح أو تفصيل لهذه الظروف ، ولو من باب محاولة إقناع القارئ بجدية فكرته) ".
وفي حقيقة الأمر ، فإن المرء ليقف حائرا أمام عبارتي هيكل المتناقضتين هاتين ، إذ من العسير أن يتخيل الإنسان وجود هذه الظواهر السلبية النابعة من اختلاف العقائد والظروف (أيا كان نوعها ) ، رغم أن منبتها (الذي ترعرعت فيه) هو هذه الكتلة الإنسانية الواحدة (لاحظ جيدا ما يحمله لفظ "كتلة إنسانية " من معان ! ) وتلك السبيكة التي انصهرت (علي حد تعبير هيكل نفسه !) مع بعضها عبر التاريخ ، أي علي مدار خمسة عشر قرنا ، هي عمر الإسلام في مصر .
وكأن هيكل يصر علي ألا يفيق قارئه من مفاجأة حتي يلاحقه بأخري ،
فإذا به يطالعنا بتأييده للقمع والاكراه المادي والسياسي للدولة ، واستبعاد الحوار الديمقراطي ، لحل ما يسمى بـ " المشكلة القبطية "
يقول هيكل "… وأعتقد أن كثرة اللت والعجن في مشكلة وحدة الديانتين والمناقشة والدوشة من غير داع مضرة جدا ،أولا لا أحد يستطيع حلها ولا حتي الديمقراطية ،لا تنفع معها الديمقراطية هذا موضوع تحله سلطة الدولة العليا المسئولة عن أمن مصر القومي عند مستواه الداخلي والأعلي ، تتدخل وتستعمل فكرة الطوارئ وعندها تفويض كامل ، تشوف أين الخلل ، وتتصرف ولا تسيبه للناس أو للوقت ، أنا ضد مناقشتها ليس لأنها غير موجودة ولكن لأنها لا تحل بالمناقشة ، كثرة المناقشة مثل وضع مفجر فيها ولو دون قصد ، هذا موضوع متعلق بأديان وعقائد وليس فيه هزار " .
ولعل موضوع كامب ديفيد ، يمثل بدوره حلقة أخري من حلقات التراجع الواضح في منهج هيكل ،حيث نراه يمهد لهذا التراجع بقوله " أنا اختلفت مع الرئيس أنور السادات ، وكنت بالقرب منه ، وضالعا علي الأقل في سياساته ، يعني كان فيه اتفاق أعقبه اختلاف ، وخرجت لتبدأ مرحلة ثانية ، من خارج دائرة القرار عارضت وظللت سنين أعارض ، لكن السياسة التي عارضتها خلقت حقائق لا تستطيع أن تعارضها ،لأننا لا نستطيع أن نعارض الواقع الذي تحول الي حقائق ، وهنا أنت أمام وضع مستجد تتحول فيه الي النقد لأنك تريد حصر الضرر والتنبيه الي محاذير تكراره ، ثم تقيم ! ".
ثم يستطرد هيكل قائلا: "كيف يمكن أن أعارض كامب ديفيد اليوم ؟ في وقت المعارضة عارضت لكن عندما تتجمد السياسة وتتحول الي تاريخ فإن الموقف منها لا يكون بالاختلاف أو المعارضة أو النقد وإنما بالتقييم ، ماذا تفيد معارضة ما فعله الخديو توفيق واستعانته بالإنجليز لمواجهة حركة عرابي ؟ ماذا يفيد أن أنقد عرابي لأنه سمح لفرديناند ديلسيبس أن يخدعه فترك قناة السويس مفتوحة لينزل منها الإنجليز الي معركة القصاصين حيث انهزم عرابي ؟ "
وخطورة هذا الكلام أنه يحاول جرجرتنا إلي مصطلحات وقضايا سياسية وتاريخية متعددة لتبرير القبول بكامب ديفيد الآن ، وتبرير اختلافه معها فيما سبق ، ليتوه القارئ في النهاية في خضم هذه المصطلحات ، ولتختلط الحقائق بالأوهام في مخيلته ، وإلا فبماذا نفسر

الرئيس الراحل انور السادات

قول هيكل : " أنا اختلفت مع الرئيس السادات واعتبرت أن المسؤولية عليه هو والقرار في يده هو ، كان خياري الوحيد أن أخرج وقد خرجت وابتعدت .. لاحظ أيضا أنني لم اقل إطلاقا ، ولا وافقت علي قول غيري بأن السادات خان .. أنور السادات في رأيي أخطأ في الحساب في ذلك الوقت . أخطأ في الإدارة السياسية لمعركة السلاح ، لكنه لم يخن ، لأن الرجل الذي اتخذ قرار الحرب لا يمكن اتهامه بالخيانة ، حتي في كامب ديفيد اعتبرته مخطئا ولم أعتبر تصرفه خيانة . الرجل حاول بمقدار ما رأي وأخطا في زمنه " ، ثم قوله بعد ذلك مباشرة "عندما تتغير الظروف وأجد أن ما فعله أنور السادات - بصرف النظر عن رأيي فيه زمان حدوثه- كانت فيه فوائد جانبية ، لابد أن أقول ذلك .
عندما أقول إنني سعيد - بصرف النظر عن أي شئ - لأن السادات بما فعل أنهي ارتهان أرض مصرية للسلاح في زمن أصبح صعبا فيه أن يحتكم أحد الي السلاح أو حتي أن يحصل علي السلاح ليحارب " ؟.

البابا شنودة بابا الكرازه المرقسية

وبعيدا عن قضايا الخيانة والوطنية ، فمن حق قارئ هيكل أن يتساءل هنا : كيف يتسني للمرء أن يحكم علي سياسات شخص ما بأنه " أخطأ في الإدارة السياسية لمعركة السلاح " ، وأنه "حاول بمقدار ما رأي وأخطا في زمنه " ، ثم يعود بعدها مباشرة ليؤكد أنه " سعيد - بصرف النظر عن أي شئ - لأن السادات بما فعل أنهي ارتهان أرض مصرية للسلاح في زمن أصبح صعبا فيه أن يحتكم أحد الي السلاح أو حتي أن يحصل علي السلاح ليحارب " ؟.
وتتوالي مفاجآت هيكل ، حين يعلن إن إقامة دولة فلسطينية على كامل التراب الفلسطيني ، هو خيال او خرافة وان على العرب ان يقبلوا بأي حل اخر غير ذلك يقول هيكل إننا "أمام واقع أو تغير بالتراكم التاريخي علينا أن نفكه ، ولا نعرف كيف ، وهو مواجهة دولة قوية ومسيطرة هي إسرائيل ، لكن أيضا هناك حاجات لصالحك : الكتلة السكانية ، الدول المحيطة بفلسطين ، أمم متحدة وقرارات ومؤتمرات ..والسؤال الآن : كيف تعيد صياغة مطالبك بما يتلاءم مع متغيرات كثيرة وقعت ؟ هل نستطيع حاليا أن نتحدث عن دولة فلسطين من البحر إلى النهر ؟ لو حصل يبقي كلام في الخيال ".
والغريب أن هيكل عندما سئل عن تصوره لشكل هذه الدولة القومية أجاب قائلا : " لا أعرف ، لكننا أمام طرح يمكن أن يكون معقولا ، ويمكن ان نخرج منه بشئ: دولة لكل مواطنيها يهودا وعربا ، يعني بمقاييس اللحظة الراهنة يوجد فيها 5 ملايين يهودي أمامهم مليون ونصف المليون عربي تقريبا .. اذا لم يضف اليها أحد ومشينا عشرين سنة فإن كل التقديرات تقول أن العرب علي الأقل سيكونون متساوين في العدد مع اليهود ، اذا لقد تغيرت الدولة وبقينا أمام شئ مختلف لهذا عندما يدعو عزمي بشارة وغيره الي دولة لكل مواطنيها ، فمن المحتمل أن يحصل بالحقوق المدنية علي وضع قابل لأن يتطور ،وقد يكون أفضل مما هو الآن ".
ويستطرد هيكل في محاولة إقناع قارئه بالتخلي عن فكرة قيام دولة فلسطينية مستقلة ، عن طريق بث الرعب من الجبروت الصهيوني " نحن أمام موقف متدهور ، لأول مرة لا وجود للقرار 242 . مبدأ عدم جواز الإستيلاء علي الأراضي بالقوة راح ، والدولة الفلسطينية مع شارون لن تتجاوز قطاع غزة ، والباقي كله مهدد . شارون سوف يسحب مجموعة مستعمرات غزة في الجنوب ،لكن الشمال كله أنا قلق عليه ولا أعرف كيف ستتصرف فيه اسرائيل عند نهاية طريق .. إما أنها إمبراطورية صغيرة بلا ديمقراطية مثل جنوب افريقيا - دولة تمييز عنصري - أو أنها دولة ديمقراطية تلغي يهودية الدولة غصبا عن عينيها"
?وهكذا يبدو لنا إننا نقرأ حوارا لـ هيكل آخر غير الذي نعرفة ، وكأن هيكل انقلب على نفسه ، دون ان يبدي لنا سببا لذلك ، ولعلنا نتساءل الآن : ماذا يخفي هيكل في جعبته فى الأيام المقبلة

 

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

BBC: نص الخبر
الأهرام
: نص الخبر

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games