هكذا تعبث أصابعهم بأوراق التاريخ

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الأهرام: نص الخبر    
تعليق

 

هوامش الفتح العربي لمصر

كتب ـ عزمي عبدالوهاب

هكذا تعبث أصابعهم بأوراق التاريخ


هناك مناطق شائكة في تاريخ مصر‏,‏ يفضل أساتذة التاريخ عدم الخوض فيها‏,‏ لأسباب عديدة قد يكون من بينها عدم وفرة المصادر والمراجع‏,‏ لكن السبب الأكثر قوة هو إيثارهم السلامة بعيدا عن وجع الدماغ‏,‏ ولم تكن الراحلة سناء المصري ضمن هذه الفئة الغالبة‏,‏ فآثرت أن تقطع الطريق الصعب وعكفت علي مرحلة الفتح العربي لمصر‏,‏ وأصدرت كتابها حكايات الدخول عن دار سينا للنشر‏,‏ وأثار الكتاب ما أثاره من جدل‏,‏ دفعها لمتابعة هوامش الفتح‏,‏ لكن المنية وافتها قبل أن تدقق وتحقق ما جمعته من مادة علمية علي مدي أعوام عقب صدور كتابها الأول‏.‏ وإحياء لذكري سناء المصري صدر الجزء الثاني من هوامش الفتح العربي لمصر تحت عنوان رحلة الانصهار عن دار سينا للنشر‏,‏ ولا يخفي ما في العنوان من دلالة‏,‏ فطوال بحثها كانت مشغولة بالسؤال‏:‏ كيف حدث الانصهار بين العرب الوافدين من الشرق والمصريين المقيمين في الأرض؟ وبعيدا عن مناهج البحث العلمي فإن هناك تصورا ما كان يحكم عمل سناء المصري‏,‏ يمكننا اختصاره في هذه الفقرة الكتابة عن غنائيات التسامح الإسلامي القادم علي صهوات الجياد دون النظر إلي حالة الشعب المقيم‏,‏ خلل في التفكير يؤدي غالبا إلي نتائج ظالمة ولذا بحثت سناء عن الثورة التي كانت تهب من آن إلي آخر تحت دوافع عديدة وكلها نتاج أسباب سياسية‏,‏ لا تنطلق من موقع الرفض‏,‏ بقدر ما تبحث عن دفع المظالم‏,‏ وقد استقصت سناء هذه الثورات المتتالية من خلال كتابات ثلاثة مؤرخين كبار‏,‏ الكندي والمقريزي وساويرس بن المقفع‏,‏ والأخير قبطي‏.‏ واستعرض الكتاب صنوف القهر والتعذيب التي كان يضرب بها آل أمية الرهبان وعامة الشعب‏,‏ وأبشعها ما جسده آخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمد‏,‏ تجاه القبط‏,‏ بل إنه قبل رحيله أشعل الحرائق في كل مكان‏,‏ ولذلك كان الاضطهاد عاما للمسلمين وغير المسلمين‏,‏ ولما آل الأمر إلي العباسيين أظهروا سياسة اجتذاب القبط‏,‏ وكانوا إذا وجدوا قوما عليهم علامة الصليب يخففون عنهم الخراج ويرفقون بهم‏.‏
وبالطبع لم تدم فرحة القبط كثيرا‏,‏ فبعد أن دانت البلاد وخضعت للعباسيين‏,‏ كشفوا عن بغضهم للنصاري ومحبتهم للفضة‏,‏ ففي السنة الثالثة ضاعفوا الخراج عليهم‏,‏ ورأي كثير من الأقباط التحول إلي الإسلام حلا وحيدا للتخلص من عبء الخراج‏,‏ لكن هذا لم يحل دون إشعال الثورات‏,‏ التي كانت تزداد تنظيما أكثر مما قبل‏,‏ ولأسباب تقتصر علي الغلاء والموت جوعا‏,‏ لكن الجديد في الأمر أن هذه الثورات تطورت لتصبح قائمة علي التحالف بين قبط مصر وعربها‏.‏
لكن السؤال الآن‏:‏ أين رأس الكنيسة من هذه الثورات؟ والإجابة تحتاج إلي معرفة كيف كان عمرو بن العاص يعاملهم منذ بداية الفتح‏,‏ فقد أحدث معيارا مزدوجا في المعاملة حين أعطي للكنيسة امتيازات لم تكن تحلم بها في الوقت الذي طبق فيه قانون جباية الجزية والخراج علي جموع الشعب القبطي دون هوادة‏,‏ وبذلك قامت العلاقة بين الحكام العرب والكنيسة وأغنياء القبط‏,‏ ولم يبق خارج هذا الحلف ـ غير المقدس ـ سوي فقراء الشعب‏,‏ وقود الثورات وضحاياها‏,‏ وظلت الكنيسة متمسكة بحكمتها الأزلية‏,‏ أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله ولم تمنع هذه الحكمة وقوع أزمات في العلاقة بين الكنيسة والحكام العرب‏,‏ لكن أغنياء القبط كانوا كفيلين بالحل‏.‏
مائة وثلاث صفحات يضمها الكتاب‏,,‏ ولو كان قدر لسناء أن تعيش‏,‏ لخرج الكتاب بصورة أفضل‏,‏ خاصة أن هناك حكايات ناقصة أو غامضة كانت تحتاج إلي العكوف عليها‏,‏ لاستخلاص رأي ما يخدم السياق الذي صنعته‏,‏ وأعني بذلك حكاية مارية القبطية الثانية‏,‏ وهي حكاية لو صحت بتفاصيلها الواردة بالكتاب‏,‏ لنسفت السياق الذي أرادته الكاتبة‏.‏

 
 

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 
أعلى الصفحة

الأهرام: نص الخبر

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games