نفاق لأجل النفاق

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الأهرام: نص الخبر

 
41755 ‏السنة 125-العدد 2001 ابريل 2 ‏8 من محرم 1422 هـ الأثنين

نفاق لأجل النفاق
بقلم‏:‏ ثروت أباظة

معروف أن النفاق ينتعش غاية الانتعاش مع كل حكم جديد طمعا فيما قد يرفده هذا الحكم علي المادح من مال أو عمل ذي وجاهه‏.‏
هذا أمر طبيعي إذا كان الحكم الجديد مسالما غير باطش رحيما غير باغ‏.‏
فما الخطب إذا كان الحكم جبارا سفاك دماء دأبة السجن أو الاعتقال مع التعذيب المروع والاعتداء علي كل الحرمات لايستثني من ذلك أعراض الحرائر بل أعراض الرجال‏.‏

كذلك لم يكن غريبا أن يزدهر النفاق ويتجبر ويتسيد حين كشفت الثورة عن أنيابها وطغي ظلمها‏,‏ وجبروتها الممتزج بالسجن والاعتقال والتعذيب بل والموت‏.‏
وحين حلت الثورة الأحزاب سبق الحل سعي حثيث منها إلي الوقيعة في كل حزب بين أقطابه بعضهم والبعض‏.‏
وأذكر أن رسولا من الثورة جاء إلي أبي وحاول أن يغريه بقبول رئاسة حزب الاحرار الدستوريين وإبعاد الدكتور محمد حسين هيكل باشا عن الرئاسة وقال أبي‏:‏

ـ إني أوافق بشرط أن تذكر عملا واحدا غير سليم قام به هيكل باشا وقد كنت معه في كل تصرفاته لم ينفرد فيها بتصرف واحد‏.‏
وانصرف الرسول يحمل الخذلان والخزي وجرت هذه المحاولات في حزب الوفد وحزب الهيئة السعدية فكان نصيبها الفشل الذريع‏.‏
وصدر القانون بحل الأحزاب فكان حلا للديمقراطية وإحلالا للديكتاتورية وعودا إلي النفاق الذي وجد في أحضان الثورة فسحة كبري له مما جعل المنافق يسارع إلي مدح وذم وهو واثق أنه سينال بمديحه لأصحاب السلطة وذمه للباشاوات النفع العميم‏.‏

وأحب هنا أن اذكر ان الثورة جاءت والقائمون بها يتميزون غيظا وحقدا علي الباشاوات ليمحقوا مكانتهم بين الناس ويدمروا احترام الناس لهم‏.‏
وقد غفلوا انهم نالوا الباشوية لأنهم محترمون بذواتهم فالناس لايحترمونهم لانهم باشاوات فما نالوا الباشوية إلا لأنهم محترمون‏,‏ وهكذا ظل احترام الناس للباشاوات علي حاله بعد ان ألغيت الرتب كأنها لم تلغ‏.‏

وحسب من عاصر بداية الثورة أن يذكر العدد الضخم من الباشاوات الذين أعتقلتهم الثورة دون أي مبرر إلا الكره الحاقد‏.‏
وحلا للثورة أن تنشيء محكمة اسمتها محكمة الثورة‏.‏

ولما كان ربك سبحانه يرفض الظلم والجبروت فقد كانت هذه المحكمة ومحاكماتها أوسمة رفيعة لكل الباشاوات الذين وقفوا شامخين أمامها ولن ننسي موقف عثمان محرم باشا رحمة الله عليه‏,‏ وكيف كانت اجاباته كلها تدعو إلي الاجلال والشكر‏.‏
ونذكر محاكمة أحمد باشا عبدالغفار الذي حاول ضباط المحكمة أن يجدوا أي شبهة علي تصرفاته حين كان وزيرا فعجزوا عن ذلك عجزا تاما حتي لم يجدوا إلا أن يقولوا له‏:‏

ـ ابنك يلعب القمار‏.‏
وإذ بالرجل يجيب في ذكاء شديد وسرعة بادرة‏.‏
ـ الا تتركون شيئا لله يحاسبه عليه‏.‏
ونذكر محاكمتهم لفؤاد باشا سراج الدين الذي عجزوا معه عجزا تاما أن يدينوه فلم يجدوا إلا أن يلجأوا إلي خصومه السياسيين ليشهدوا عليه آملين أن يهاجم هؤلاء الخصوم فؤاد باشا‏.‏

وكان أول من استدعوه للشهادة الرجل العظيم د‏.‏ محمد حسين هيكل باشا رئيس حزب الأحرار الدستوريين وكانوا واثقين بما يسربلهم من خلق خسيس أن هيكل باشا سيماثلهم في خلقهم ويهاجم فؤاد باشا هجوما ملتهبا إلا أن الرجل العظيم الرائد الأدبي العربي العملاق هيكل باشا يغدق علي خصمه السياسي فؤاد سراج الدين مديحا وإكبارا وإجلالا‏.‏
كانت مهاجمة المنافقين للباشاوات في ذلك الحين نوعا رخيصا من النفاق إلا أنها كانت تأتي بأكلها ويغنم المنافق مايغنم من الحكم الغاشم‏.‏
أما الهجوم علي الباشاوات اليوم فسفول ووضاعة ودناءة لاثمن لها‏.‏

ان بين هؤلاء الباشاوات من غامر بحياته لمحاربة المحتل العاتي ونذكر د‏.‏ أحمد ماهر باشا والنقراشي باشا اللذين قبض عليهما الإنجليز وكانا قاب قوسين أو أدني من الاعدام بيد المحتلين والنقراشي باشا هو الرجل الذي صاح بالامبراطورية البريطانية في هيئة الامم أخرجوا من بلادنا أيها القراصنة‏.‏
كما قبض الإنجليز علي إبراهيم عبدالهادي باشا وظل رهين السجن فترة طويلة‏.‏
وأكبر نفسي وأبي أن أذكر ما صنعه أبي في العزيزية والبدرشين من محاكمة الانجليز وهم من تظلهم الحماية البريطانية وكانت محاكماته لهؤلاء الانجليز من بين ما اعتمد عليه محمد محمود باشا في مفاوضاته مع الانجليز‏.‏

وقد عجزت الثورة بكل جبروتها ومحاكمها أن تنسب الخيانة إلي أي باشا من الباشاوات كما عجزت أن تنسبها لأي مصري علي الاطلاق‏.‏
ويعد كاتب سيناريو رواية لي فيها مديح لباشا من شخصيات روايتي وإذا بالرقيبة بالتليفزيون ترفض الاعداد لأن فيه مديحا للباشاوات ولك أن تعجب وتسخر ما شاء لك العجب والسخرية‏.‏

وإني أناشد بحق قدسية الكلمة الكتاب عامة وكتاب المسلسلات التليفزيونية خاصة ألا ينسوا أن مصطفي كامل كان باشا وسعد زغلول كان باشا والثلاثة الذين واجهوا المندوب السامي في‏13‏ نوفمبر كانوا باشاوات وعليهم ألا ينسوا باشاوات الأدب والعلم طه حسين باشا وحسين هيكل باشا وعزيز أباظة باشا ومصطفي مشرفة باشا والاطباء علي ابراهيم باشا وعبدالوهاب مورو باشا ونجيب محفوظ باشا وعبدالعزيز اسماعيل باشا ونجيب مقار باشا‏,‏ وإبراهيم شوقي باشا ومن الصحفيين انطون الجميل باشا وعبد القادر حمزه باشا وفكري اباظة باشا وغيرهم‏.‏
فمهاجمة الباشاوات اليوم لن تعود عليهم إلا بالخزي والاحتقار ينالونه بغير ثمن يعود عليهم بالنفع والله ولي التوفيق‏.‏


 

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الأهرام: نص الخبر

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games