أصاب الحكم أمناء جمعيات حقوق
الإنسان والعاملين فيها بصدمة
حقيقية علي حد قول حافظ أبوسعدة
الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق
الإنسان, ويفسر: لم نكن نتوقع
أن يتم تطبيق الأمر العسكري علي أحد
العاملين في نشاط المجتمع المدني,
بل إن العقوبة المقررة طبقت بدون أي
تخفيف, هذه رسالة واضحة موجهة إلي
نشطاء العمل المدني كله,
فالمطلوب الآن إغلاق جميع النوافذ
الضيقة التي كنا نتنفس منها, وعلي
ذلك فالدولة ـ حسب أبوسعدة ـ أمامها
خياران: إما أن تبدأ في وضع قانون
يقبله الجميع وأولهم نشطاء العمل
المدني, والعاملين في مجال حقوق
الإنسان. كون مصر دولة قانون
ومؤسسات, فلسنا دولة طواريء
وأوامر عسكرية, أما الخيار الآخر
فهو أن يقولوا لنا صراحة أغلقوا
أبوباب جمعياتكم ومؤسساتكم وتوقفوا
عن العمل.
ويبدو لأبوسعدة أن الخيار الثاني هو
الذي استقرت عليه الحكومة حتي الآن,
فالمشكلة ـ كما يراها ـ ليست مشكلة
تمويل أو تلقي أموال من الخارج,
فالجميع بما فيها مؤسسات الدولة
تتلقي أموالا وتبرعات, لكن
المشكلة فيما نمارسه ولا تستريح له
الحكومة, وعلي كل حال فالتمويل
أصبح أمرا صعبا, والمؤسسات
الدولية أول من سيتثأر بالحكم ولا
أعتقد أنها ستقبل تقديم مساعدات
تعتبرها الدولة رشوة, ويبدو أننا
لم يعد أمامنا سوي أن نغلق ونعلن
اعتزالنا.
ومن جهته لا يتفق أمير سالم مدير
مركز المساعدة القانونية لحقوق
الإنسان مع د. سعد الدين إبراهيم
في أساليب ممارسته, إلا أنه يري
أن ما حدث معه أمر غير عادي, ولا
يجب أن يقبله الجميع بدون اعتراض,
ويضيف: نحن نحترم أحكام القضاء
لأنها عنوان الحقيقة, لكن هناك
أمرا لابد أن نعرفه وهو أن قرار
الحاكم العسكري, الذي استند عليه
الحكم غير دستوري, لأنه تجاوز ما
هو منصوص عليه في قانون العقوبات,
وكأن هناك نظاما عقابيا موازيا
للنظام العقابي المنصوص عليه في
الدستور, في نفس الوقت يرفض سالم
اعتبار القضية صنعها التمويل
الخارجي, ويجيب باستغراب: من
قال إن الأزمة في التمويل نحن لا
نتلقي أي أموال من الخارج منذ عامين,
والنتيجة أننا لا نعمل لأننا
ممنوعون أيضا من تلقي أي تبرعات من
الداخل سواء من الأشخاص أم الشركات,
أي أننا محصورون بين تجريم التمويل
الخارجي, ومنع التمويل الداخلي,
وزاد: ولا أعرف كيف يمكن في هذه
الحالة أن نعمل ونحن نزيد علي18
ألف جمعية وحوالي ألف منظمة غير
حكومية جميعها تعمل بالتمويل لأننا
من المفترض أننا منظمات لا تستهدف
الربح, إذن كيف السبيل لأن نستمر؟
ويلفت سالم إلي أن التمويل الخارجي
كان يسبقه تحريات ويتبعه حيث
المؤسسات المانحة, تتابع كل قرش
يتم إنفاقه, حتي لو افترضنا أن
هناك تجاوزا من البعض لا يكون العقاب
بهذا الشكل لأنه يسيء إلينا جميعا
بلا استثناء.
إذن أموال الخارج من أين تأتي وإلي
أين تذهب, وبأي هدف ربما كان هذا
سبب الأزمة المستمرة فأحد بنود
اتهام د. سعد الدين إبراهيم هي
الحصول علي مبالغ مالية وتلقي
تبرعات من الاتحاد الأوروبي بدون
ترخيص, وفي الوقت نفسه تعلن وزيرة
الشئون الاجتماعية د. أمينة
الجندي, أنه قد تم تخصيص حوالي36
مليون جنيه كدعم حكومي لما يقرب من15
ألف جمعية أهلية هذا العام, ولو
علمنا أن أكثر من%70 من تلك
الجمعيات تهتم في المقام الأول
بالتنمية المحلية والبيئية,
فمعني أن جمعيات ومنظمات حقوق
الإنسان التي كانت سبب الأزمة تحتاج
فعلا لمن يدفع لها, وهذا ما تؤكده
د. أماني قنديل أستاذ علم
الاجتماع وأحد المهتمين بالعمل
الأهلي في مصر التي تشير إلي أن
المجتمعات الحديثة الآن تقوم دعائم
أي نشاط خدمي بها علي ثلاث قطاعات هي:
القطاع الحكومي الرسمي, والقطاع
المدني, ثم الخاص ورجال الأعمال,
وتضيف: وفي إطار مناخ عالمي,
تجب إعادة النظر في أساليب التعامل
مع هذه التنظيمات والتجمعات الأهلية,
كما لا يجب أن يكون التمويل الخارجي
سيفا علي رقاب المشتغلين فيها,
وتقترح إيجاد آليات مراقبة محددة
بما يضمن انعدام شبهة العمالة أو
التقارير الموجهة التي ربما شابت
أعمال بعض هؤلاء, الأزمة يمكن أن
تحل بلا محاكمات أو اتهامات فقط
بصياغة جديدة وأساليب مقبولة من
الطرفين.
علي هذه الخلفية يقترب عبدالله خليل
المحامي, وأحد المعروفين في مجال
إنشاء المنظمات غير الحكومية من أحد
أوجه القضية ـ الأزمة, وهو فلسفة
القانون بعد الحكم بعدم دستورية
القانون153 لسنة1999, واقتراح
ثماني تعديلات في القانون يلوح
البعض الآن أيضا بعدم دستوريتها,
ويقول: مع الأسف نحن نختلف علي
نصوص القوانين, ثم نحارب لنثبت
دستوريتها أو عدم دستوريتها, في
حين أننا ننسي الأهم وهو أنه ليست
هناك فلسفة واضحة ومحددة في التعامل
مع النشاط الأهلي, ويري خليل أن
غياب هذه الفلسفة هو السبب في الأزمة
الحالية, والقانون153 صدر
الحكم بعدم دستوريته, بسبب خطأ
إجرائي صرف نتيجة التسرع في إصداره,
دون عرضه علي مجلس الشوري, ونفس
الأمر بالنسبة لقضية التمويل,
فليس هناك أيضا ـ حسب خليل ـ رؤية
واضحة في التعامل معها, وقال:
التمويل الخارجي لا نستطيع
الاستغناء عنه حتي في الهيئات
الرسمية, فماذا نفعل؟ أصبحنا
نكيل بمكيالين, نقبل التمويل
للبعض, ونجرمه للبعض الآخر,
نصر علي إيجاد رقابة مشددة علي البعض,
بينما نتساهل مع الآخرين, فنبدو
وكأن هناك جهات مرضي عنها وجهات أخري
مغضوب عليها, والنتيجة اتهامات
خارجية واستغلال حقيقي لما يحدث,
وللتغلب علي هذه الإشكالية يدعو
خليل إلي إنشاء جهات محايدة تمارس
عملية مراقبة دقيقة ومقبولة من
الجميع وعلي الجميع, بدلا من
الحالة الراهنة.