طالبان‏..‏ والصواب‏..‏ وثقافة الخرافة

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

  

قضايا و اراء

41775 ‏السنة 125-العدد 2001 ابريل 22 ‏28 من محرم 1422 هـ الأحد

طالبان‏..‏ والصواب‏..‏ وثقافة الخرافة
بقلم : عبده مباشر

بعد أن دمروا تمثالي بوذا‏,‏ واقتنعوا بأنهم بذلك الإنجاز طهروا الدين من الشرك‏,‏ وأنقذوا الأفغان من التورط في عبادة الأصنام‏,‏ رأوا أن يواصلوا مسيرة تنقية الإسلام من البدع والضلالات‏,‏ وإلزام الأفغان بتصحيح سلوكهم وتصرفاتهم في حياتهم وملبسهم وطعامهم وهيئتهم للابتعاد عن المعاصي وتجنب الزلل‏.‏ وعند هذه النقطة المفصلية في التاريخ الأفغاني وتاريخ الدعوة والإسلام‏,‏ اكتشف فقهاء حكومة طالبان أن الأفغانيين لا يعتمرون العمامة‏,‏ وهذا ـ والعياذ بالله ـ خروج علي الدين ومخالفة للقواعد الصحيحة‏,‏ لذا قررت منظمة طالبان في البداية إلزام الطلاب باعتمار العمامة وأكدت أن الذين سيتكاسلون في تنفيذ الأمر أو يرفضون تنفيذه سيطردون من المؤسسات التعليمية‏.‏
ولأن فقهاء منظمة طالبان يتصفون بالدقة وثاقب النظر وعمق وشمول العلم فقد رأوا‏,‏ ورأيهم هو الصواب تحريم لبس العمائم الحمراء‏.‏
وللتوضيح‏,‏ قال المولوي محمد يونس صديقي الفقية ومدير واحدة من كبري المدارس بالعاصمة كابول‏,‏ إن اللون الأحمر لون ملابس الشيطان والعياذ بالله‏.‏

ألم أقل لكم إنهم جميعا من المتبحرين في العلم‏,‏ فمن غيرهم عرف أن الشيطان يرتدي ملابس‏,‏ وانه اختار اللون الأحمر تحديدا وقال الفقيه لا ـ فض فوه ـ إن وضع العمامة من السنة‏.‏
وهكذا أصبح كل مسلم لا يعتمر العمامة مخالفا للسنة‏,‏ الله أكبر أي أن الأفغانيين بعد تنفيذ هذا الأمر سيكونون هم الأكثر التزاما بسنة المصطفي صلي الله عليه وسلم وأكد فقهاء منظمة طالبان أن أمر اعتمار العمامة لكي تصبح غطاء للرأس صدر عن الملا محمد عمر رئيس المنظمة ورئيس الدولة كما يقولون‏.‏
أي أن الملا محمد عمر حاكم أفغانستان وصاحب سلطان الأمر والنهي‏,‏ وهو يفكر في حال أفغانستان وأهلها‏,‏ لم يلفت نظره‏,‏ إلا عدم ارتداء الطلاب للعمامة‏,‏ وهذا بالطبع نقص‏,‏ لذا قرر أن يأمر بسد هذا النقص‏,‏ أما مشاكل الجوع والمجاعة والبؤس والفاقة والحرب والارهاب والقتل وخراب البلاد والعزلة عن العالم كله‏,‏ فتلك بالطبع لا وزن لها لأنها مشاكل دنيوية وحياتية‏,‏ أما عدم اعتمار العمامة فنقص في التدين‏,‏ لذا استحق أن يتفرغ له ويكرس له الوقت والجهد لكي يسده‏.‏

ومنظمة طالبان الاسلامية السياسية‏,‏ منظمة تملك القدرة علي فرض إرادتها بكل قسوة وإلزام المواطنين بتنفيذ أوامرها ونواهيها مثلها في ذلك مثل كل المنظمات الأيديولوجية شيوعية كانت أم سياسية‏,‏ اسلامية أم نازية أم فاشية‏.‏
ومثل هذه المنظمات تكون دائما علي اقتناع بأنها علي صواب مطلق وأنها تملك الإجابات علي كل الأسئلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والثقافية‏,‏ وتملك المنهج واسلوب العمل‏.‏
وتتميز المنظمات السياسية الاسلامية عن باقي المنظمات الأيديولوجية‏,‏ باقتناعها أنها تملك بجانب كل ذلك الإجابات عن الاسئلة الدينية‏.‏

وهذا الاقتناع العميق والأحمق في نفس الوقت‏,‏ لأنه لا أحد في العالم فردا كان أو مؤسسة أو منظمة أو حزبا أو هيئة يمكنه الادعاء بأنه يملك الصواب وحده‏,‏ يقول إلي نتيجة واحدة وخطيرة‏,‏ وهي أن الآخرين علي خطأ‏,‏ فمادام جانب يملك الصواب‏,‏ بل والصواب المطلق الذي لا يأتيه الباطل من هنا أو هناك‏,‏ فإن الجميع عليهم أن يصفوا في صفه‏,‏ اختيارا أو قسرا‏,‏ ومن لا يصفون في صفه هم بالضرورة علي خطأ‏,‏ وبما أنهم كذلك فهم أعداء للصواب‏,‏ وأعداء للحكم والحكومة والوطن‏.‏
وما داموا أعداء للصواب والوطن فإن الضرورة تقضي بتصفيتهم جسديا‏.‏ وعلينا أن نتذكر أن ستالين أمر بإعدام عشرات الملايين دون أن يطرف له رمش‏,‏ وأن بول بوش زعيم الخمير الحمر عندما تسلم زمام السلطة في كمبوديا‏,‏ ودانت الأمور لمنظمته الشيوعية‏,‏ أعدم ثلاثة ملايين مواطن خلال شهور‏,‏ وهذا الرقم يمثل حوالي ثلث عدد سكان كمبوديا‏.‏
أما ماوتسي تونج‏,‏ فقد ظل يودي بحياة الملايين منذ سيطر علي الحكم عام‏1949‏ وحتي وفاته في النصف الثاني من السبعينيات‏.‏

وإذا لم تتمكن هذه المنظمات الايديولوجية من القضاء علي كل الآخرين الذين نراهم علي خطأ‏,‏ ونري أنهم أعداء للنظام‏,‏ فإنها تنفيهم في داخل الوطن‏.‏
ففي إيران تحت حكم الملالي تم حرمان السنة والأكراد من حق الانتخاب وغيره من الحقوق السياسية‏,‏ وتم قصر المشاركة السياسية علي الشيعة فقط‏.‏
ولم يختلف الأمر في السودان تحت حكم جبهة الانقاذ الاسلامية السياسية‏,‏ فبعد انفراد الجبهة بالسلطة‏,‏ تم نفي الآخرين‏.‏ ولم تتغير قواعد اللعبة‏,‏ إلا تحت ضغط الظروف الاقليمية والدولية والداخلية وتتحول الأوطان إلي سجون كبيرة للمواطنين‏,‏ وحقول تجارب لقادة هذه المنظمات السياسية‏.‏ وتنتقل الشعوب في هذه الدول من تجربة فاشلة إلي تجربة أخري‏,‏ مثلها في ذلك مثل الدول التي يسيطر علي الحكم فيها انقلابيون عسكريون‏.‏

وفي الاتحاد السوفيتي علي سبيل المثال‏,‏ استمرت التجارب الفاشلة في ميادين السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة منذ عام‏1917‏ وحتي عام‏1991,‏ عام انهيار الاتحاد السوفيتي بعد افلاس الحكم الشيوعي تماما‏.‏
ولم يختلف الأمر في دول أوروبا الشرقية الشيوعية‏,‏ فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وهي تنتقل من فشل إلي فشل في ظل حكم الأحزاب الشيوعية إلي أن انطوت صفحة حكم هذه الأحزاب عامي‏1990,1989.‏
وعلي امتداد هذه السنوات‏,‏ مارست الاحزاب السلطة بكل الجبروت والقسوة واللامبالاة بحقوق المواطنين المدنية والسياسية‏.‏ وهكذا الأمر بالنسبة لمنظمة طالبان‏,‏ فمنذ سيطرت علي مقاليد الأمور عام‏1976‏ والشعب الأفغاني‏,‏ ينتقل من تجربة فاشلة إلي تجربة أخري‏.‏

ولم تنجح هذه الحكومة التي ترفع شعارات اسلامية في تحقيق انجاز واحد ايجابي يسهم في تخفيف معاناة المواطنين‏.‏ كل ما نجحت فيه‏,‏ هو زيادة نسبة ومساحة الخراب والتدمير‏,‏ وزيادة حدة المجاعة‏,‏ وضياع الاحساس بالأمن‏,‏ وتحطم كل الآمال في غد أفضل‏.‏
وقد سجلت الحكومة الطالبانية قدرتها في إلزام المرأة الأفغانية بالبقاء في المنزل وحرمانها من الخروج إلي الشارع‏,‏ مع منع تعليم البنات مع استثناءات محدودة‏,‏ كما تم فرض النقاب علي الجميع‏.‏
وهذا الموقف السلبي من المرأة‏,‏ لا يختلف كثيرا عن موقف باقي منظمات وجماعات تيار الاسلام السياسي‏.‏ فالأغلبية العظمي من فقهاء وأمراء وقادة و زعماء ومفكري هذا التيار‏,‏ تري المرأة عورة‏,‏ شكلا وصوتا‏,‏ ويضيع منها وقت طويل‏,‏ ويسكبون جدا كثيرا لتنظير هذا الأمر وإسناده‏.‏ أما التليفزيون فقد تم تحريمه‏,‏ وكذلك‏;‏ الدش‏.‏

ولأن حكومة الملالي بإيران أكثر استنارة‏,‏ فقد اكتفت بتجريم الدش وبذلت السلطة الأفغانية الطالبانية جهدا لمعرفة طول اللحية الشرعي‏,‏ واستقر الأمر علي أن اللحية الطويلة من الاسلام‏,‏ وأنها سنة‏,‏ وبالتالي فإن علي جميع الرجال الأفغان إطالة لحاهم وإلا عوقبوا ومع أنهم يعلمون يقينا أنها ليست فرضا وبالتالي ليست ملزمة للجميع‏,‏ إلا أن ذلك لم يمنع من إلزام الجميع بإطالة لحاهم‏.‏
وها هم يمعنون الفكر ويجتهدون من أجل تنقية الإسلام من البدع والضلالات‏,‏ وقد أعلنوا الجديد الذي توصلوا إليه‏,‏ وأمر الملا محمد عمر صاحب الأمر والنهي بإلزام جميع الطلبة باعتمار العمامة باعتبارها‏,‏ سنة أيضا‏.‏
ولن نسأله عن سنده‏,‏ فأصحاب العلم المحدود والثقافة الضحلة والاقتناع العميق يظنون أنهم علي صواب وأن الآخرين علي خطأ‏,‏ لا يمكن أن نوجه لهم مثل هذه الأسئلة ولأن هناك

من بين الطالبانيين من علم يقينا أن الشياطين ترتدي الملابس وأنها اختارت اللون الأحمر لهذه الملابس لذا فقد أمروا بتحريم اعتمار العمائم الحمراء‏.‏
وأيضا لن نسألهم أين ومتي التقوا أو شاهدوا الشياطين لكي يتعرفوا علي ملابسها وألوانها‏.‏

ولماذا نسألهم إذا كان أحد العلماء الذين يحملون درجة الدكتوراه في بلد الأزهر قد حكي في إحدي قنوات التليفزيون عن لقاء وحوار دار بين شيطانين أحدهما نحيف والآخر سمين‏,‏ ونقل للمشاهدين هذا الحوار‏.‏
ولما كتبنا نسأله‏,‏ عما إذا كان قد شهد هذا الحوار‏,‏ أو أن هناك من حضر ونقله له‏.‏ لم يجب‏.‏
وسألناه أيضا عن مدي معرفة من نقل الحوار بلغة الشياطين‏.‏ لم يجب‏.‏

وأيضا لم يجب عندما سألنا عن تلك المدارس والمعاهد التي تعلم لغة الشياطين‏.‏ وإذا كانت ثقافة الخرافة تنتشر في بلد الأزهر‏,‏ فلماذا نستنكر انتشارها في أفغانستان‏.‏

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

BBC: نص الخبر
الأهرام
: نص الخبر

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games