النموذج الطالباني

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الأهرام: نص الخبر

 

قضايا و اراء

41761 ‏السنة 125-العدد 2001 ابريل 8 ‏14 من محرم 1422 هـ الأحد

النموذج الطالباني
بقلم : عبده مباشر

والآن استراحت ضمائرهم الدينية‏..‏
فقد تمكنوا من تدمير تمثالي بوذا بمدينة باميان تنفيذا لفتوي شيوخهم من رجال طالبان أي التلاميذ‏,,‏ ثم عندما تنبهوا أنهم تأخروا في تطهير أرضهم من الأوثان ذبحوا مائة بقرة قربانا لعل الله يغفر لهم هذا التأخير‏.‏
ولكن هل تستريح الضمائر الدينية لمجرد تدمير تمثالين‏,‏ وذبح مائة بقرة؟
وماذا عن القتل واستمرار القتل؟

وماذا عن الاستمرار في قتال مواطنين أفغان مسلمين‏,‏ من أجل اتمام سيطرتهم علي كل أرض أفغانستان؟
ألا يعد القتل مخالفا للدين؟ وألا يعد قتال المسلمين من أجل الصراع علي السلطة والسيطرة علي مزيد من الأرض مخالفا للدين أيضا؟
وألا تعد زراعة وصناعة وتجارة وتهريب المخدرات مخالفة للدين؟
ويبدو أن أعضاء منظمة طالبان‏,‏ وهي واحدة من منظمات وجماعات التيار الإسلامي لا يرون في القتل وقتال المسلمين وزراعة المخدرات وحماية القتلة أي مخالفة للدين‏..‏ أما استمرار بقاء تمثالين لبوذا مصنوعين أو منحوتين بالجبل‏,‏ فهو والعياذ بالله كفر وتشجيع علي عبادة الأصنام‏!.‏

وهم في ذلك لا يختلفون عن زملاء لهم علي امتداد العالم الإسلامي يرفعون شعارات إسلامية‏,‏ وفي نفس الوقت يمارسون القتل وأحيانا يقتلون ضحاياهم من الرجال والنساء والأطفال ذبحا‏,‏ ولا يتورعون عن السرقة‏.‏
وهم هنا يقتلون ويسرقون ويظنون وفقا لفتاوي شيوخهم وأمرائهم أن ذلك من الحلال‏.‏
ومع ذلك تراهم يحرصون علي ارتداء السراويل والقمصان وإطالة اللحي واستخدام السواك‏!.‏
أي أن الإسلام ليس أكثر من هذا الإطار الشكلي‏.‏

ومسئولو طالبان الذين أفتوا بأن التماثيل من الأصنام‏,‏ وتنفيذا للفتوي دمروا تمثالين‏,‏ أعلنوا أن بلدهم أصبح أكثر الأراضي الإسلامية طهرا ونقاء‏..‏ واذا كانوا يقولون ذلك بعد تدمير تمثالين لبوذا‏,‏ فماذا سوف يقولون فيما لو دمروا كل التماثيل الموجودة بأفغانستان‏,‏ خاصة التماثيل الهندوسية؟
وهنا يبدو واضحا أن فتوي تدمير التماثيل للقضاء علي عبادة الأصنام‏,‏ قد اقتصرت حتي الآن علي تدمير تمثالي بوذا‏,‏ ولم تمتد يد لتدمير التماثيل الأخري خاصة الهندوسية‏..‏ ولا أحد يمكنه فهم لماذا حدث ذلك؟ وهل يعني ذلك أن طالبان نحت نحو التراجع عن الفتوي؟
وبالقطع لم يحدث ذلك‏.‏
أم أن الاقتراب من تماثيل الديانة الهندوسية له حسابات أخري‏,‏ ويخضع لمخاوف الاصطدام المباشر بالهند‏,‏ الجار القوي صاحب النفوذ والقوة العسكرية الكبيرة والأطماع في الأرض الأفغانية‏,‏ والأغلبية الهندوسية الملتهبة المشاعر؟

ويبدو أن حكومة طالبان تجنبت الاصطدام بالهند والأغلبية الهندوسية‏,‏ وأغفلت تطبيق الفتوي الخاصة بتدمير التماثيل علي التماثيل الهندوسية فتوي تفصيل‏!‏
وقد أدي تدمير تمثالي بوذا‏,‏ إلي خروج مظاهرات هندوسية في عدة مدن هندية مزق المتظاهرون خلالها نسخا من القرآن الكريم وأحرقوها‏.‏
وبالمثل تفجرت مظاهرات للبوذيين هنا وهناك‏,‏ وتضاعفت حدة العداء لا لحكومة طالبان ورجالها وأنصارها‏,‏ بل وللإسلام والمسلمين‏.‏

وهكذا‏,‏ وبما أن التماثيل الأصنام مازالت موجودة بأفغانستان‏,‏ فإن الأرض الأفغانية لم تصبح الأكثر طهرا ونقاء‏,‏ وأن الإعلان الطالباني‏,‏ مازال بعيدا عن الحقيقة وفقا لمقاييس الفكر الإسلامي الطالباني‏.‏
والمسئولون الطالبانيون الذين أعلنوا أن أرض بلادهم هي الأكثر طهرا ونقاء‏,‏ من حقهم أن يقولوا ما يشاءون‏,‏ وأن يروا الأمور كما يريدون‏,‏ ولكن للناس علي امتداد رقعة العالم عقولا وعيونا وآذانا‏,‏ تتيح لهم رؤية الواقع كما هو‏,‏ لا كما يصفه رجال طالبان‏.‏
والواقع يقول إن أفغانستان من بين أكثر بلاد العالم تعاسة وفقرا وبؤسا وشقاء وخرابا‏.‏ فبعد أكثر من ثلاثة عقود من الاقتتال‏,‏ انهارت سلطة الدولة‏,‏ واهترأت المرافق وتحولت المدن والقري إلي خرائب‏,‏ ولم يعد هناك اقتصاد‏,‏ فلا زراعة أو تجارة أو صناعة أو حتي خدمات‏,‏ اللهم إلا زراعة وصناعة وتهريب وتجارة المخدرات بالإضافة إلي صناعة القتل وزراعة الإرهاب وحماية قادة وأعضاء أشرس المنظمات الإرهابية في العالم‏.‏

وفي ظل هذه الظروف هجر المزارعون الأرض الزراعية‏,‏ وهاجر أهل القري إلي المدن بحثا عن المأوي أو ما يقيم الأود‏.‏ واضطر الملايين للالتجاء لمعسكرات اللاجئين‏,‏ ليعيشوا كلاجئين داخل وخارج بلدهم‏,‏ بعد أن عز عليهم العيش كمواطنين‏,‏ وبعد أن فقدوا الإحساس بالأمان وضاع منهم الاستقرار‏.‏ وسعي كثيرون لمغادرة أفغانستان للخروج من هذا المستنقع الدامي‏.‏
ومن بين التجربة الطالبانية لتدمير تمثالي بوذا‏,‏ اكتشف المراقبون عدة حقائق منها‏:‏
‏*‏ الفهم المحدود للدين الإسلامي‏,‏ فأعضاء منظمة طالبان من خريجي مدارس دينية طائفية متشددة‏,‏ تفتقد رجال الدين الأكفاء والمعلمين المؤهلين‏.‏

ويعتمد التعليم علي الحفظ والتلقين ولا يفتح الباب للتفكير واستخدام العقل‏.‏
وفي أحسن الأحوال‏,‏ فإن برامج هذه المدارس تعد نوعا من غسيل الأدمغة‏.‏
واذا كان هناك من هدف رئيسي لهذه المدارس فهو تعليم الطاعة‏.‏

‏*‏ وعلي الرغم من هذا الفهم المحدود للدين الإسلامي‏,‏ فإن قادة المنظمة المتشددة مقتنعون بانهم علي صواب‏,‏ وغيرهم علي باطل‏.‏
ويقودهم ذلك إلي رفض الحلول الوسط لإنهاء الأزمة الأفغانية والاستمرار في القتال مع باقي المنظمات الأفغانية‏,‏ خاصة تلك التي يقودها أحمد شاه مسعود‏,‏ الذي كان يطلق عليه من قبل أي خلال سنوات الصراع مع نظام الحكم الشيوعي في أفغانستان والجهاد ضد قوات الاحتلال السوفيتي أسد وادي بانجشير‏.‏
‏*‏ هذا الفكر الأحادي ذو النظرة المتشددة والاقتناع العميق أنهم علي صواب وان الآخرين علي خطأ‏,‏ كان وراء المعاملة غير اللائقة لوفد منظمة المؤتمر الإسلامي الذي ضم نخبة من رجال الدين والدعاة والفقهاء من عدد من الدول الإسلامية‏.‏

ومن صور هذه المعاملة رفض الملا محمد عمر حاكم أفغانستان الطالبانية المطلق استقبال الوفد والاستماع إليه‏.‏
أما أخطر النتائج فهي رفض الاقتناع بالحجج والأسانيد الفقهية التي قال بها أعضاء الوفد الإسلامي‏,‏ وكلهم من العلماء والفقهاء‏,‏ والاصرار علي موقفهم من تدمير التماثيل‏.‏
أي أن مجموعة من الطلبة أو التلاميذ‏,‏ لم تدرس من الإسلام سوي القشور‏,‏ ولم تع منه سوي الشكل‏,‏ ولم تتوقف إلا عند طول اللحية وفرض النقاب علي النساء ومنع تعليم وعمل الإناث وتحريم التليفزيون والسينما والأغاني‏,‏ امتلكت القدرة علي التمسك برأيها ورفض فتاوي من هم أكثر علما وأقوي حجة وبرهانا وسندا‏,‏ هذه المجموعة التي لا يوجد بينها من هو مؤهل للفتوي ناهيك عن الاجتهاد‏,‏ قالت لوفد العلماء المسلمين‏,‏ نحن علي صواب وأنتم علي خطأ‏,‏ وواصلوا حملة تدمير التمثالين‏.‏

‏*‏ وهذا الفكر الطالباني المتشدد عندما وصل إلي السلطة‏,‏ لم يتخل عن تشدده‏,‏ وواصل عناده‏.‏
واذا كانت منظمة طالبان واحدة من منظمات وجماعات تيار الإسلام السياسي‏,‏ فإنها تقدم النموذج لباقي المنظمات والجماعات‏.‏
فكل جماعة أو منظمة علي اقتناع بانها هي الوحيدة التي تحتكر الصواب‏,‏ والباقون علي خطأ‏.‏ ووفقا لهذا الاقتناع ينهجون ويتصرفون‏,‏ وكانت النتيجة هي الانقسام الحاد‏,‏ والتشرذم والانغماس في دائرة العداء وتبادل التكفير‏.‏ ولكن الكل‏,‏ كل هذه المنظمات‏,‏ تقف موقف العداء من الحكومات والمجتمعات الإسلامية‏.‏

واذا ما تمكنت مجموعة أو منظمة من الوصول إلي السلطة‏,‏ استبدت وانفردت بالأمر‏,‏ وعملت علي وضع رؤيتها المحددة والمتصلبة للإسلام موضع التنفيذ‏.‏
والاستبداد والانفراد بالسلطة يعني نفي الآخرين‏.‏ هذا اذا لم تتح الفرصة للقضاء عليهم أو التخلص منهم‏.‏
‏*‏ ولما كانت هذه المنظمات المنتمية إلي التيار الإسلامي التي تصل إلي السلطة في عدد من الدول الإسلامية‏,‏ تكتشف أنها غير قادرة علي توفير الطعام للمواطنين أو السلاح للمقاتلين إلا بالاعتماد علي مصادر غربية في الأساس‏,‏ فإنها تبدأ في تقديم التنازلات بصورة أو بأخري لهذه الدول لكي تتمكن من سد النقص هنا وهناك‏.‏

ولكن هذه التنازلات تظل بعيدا عن الأضواء‏,‏ وتظل مع ذلك تطلق صيحات الحرب والتكفير ضد الآخرين‏.‏
‏*‏ ويبدو الوضع في أفغانستان بالنسبة لمنظمة طالبان أسوأ من هذه الصورة التقليدية‏,‏ فأفغانستان دولة محاطة بالأطماع من جانب قوي إقليمية أو دولية كبري‏,‏ وكل قوة تحرص علي الاستفادة من الوضع الأفغاني لحساب استراتيجياتها ومصالحها أو علي الأقل تحييدها ومنع الآخرين من الاستفادة منها‏,‏ ومن هذه القوي الصين وروسيا والهند وباكستان وإيران بالإضافة إلي الولايات المتحدة والعالم الغربي‏.‏

وقد لجأت القوي الإقليمية والدولية إلي استخدام المنظمات الأفغانية بما فيها منظمة طالبان لتحقيق أهدافها‏.‏ ومن أجل ذلك توفر لها المال والسلاح والطعام‏.‏ ومادام صراع هذه القوي بالساحة الأفغانية مستمرا فستظل الحرب في أفغانستان‏,‏ وستظل طالبان تؤدي دورها المرسوم لها‏.‏
وفي النهاية يستنتج المراقبون أن كل هذه المنظمات مجرد أدوات في أيدي الآخرين الأكثر قوة والأكبر أطماعا‏,‏ وإن خرجت جماعة أو منظمة أو حكومة علي الدور المرسوم لها بأكثر مما هو مسموح‏,‏ يجري تأديبها‏,‏ إما بالقصف بالصواريخ أو الطائرات‏,‏ أو بفرض العقوبات والحصار أو بالإعلان عن وضعها علي قائمة الدول التي ترعي الإرهاب‏..‏

 

 

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الأهرام: نص الخبر

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games