كانت
مهمتهم عندما توجهوا إلي
أفغانستان, إقناع زعماء
وقادة وفقهاء وعلماء منظمة
طالبان بوقف تدمير تمثالي بوذا.
ومحاولة وفد فقهاء وعلماء ودعاة
منظمة المؤتمر الإسلامي,
صاحبتها توقعات كثيرة بالنجاح,
فأعضاء الوفد لهم ثقلهم ووزنهم
علي المسرح الإسلامي, كما أن
تاريخهم العلمي واجتهاداتهم
وأدوارهم في خدمة الإسلام
معروفة, ومن بينهم من سبقته
شهرته أو منصبه الرفيع, كما
أنهم يقفون علي نفس الأرضية
التي يقف عليها فقهاء وعلماء
طالبان, أي أن الجانبين
يتحدثان لغة واحدة, هي لغة
الإسلام. وإذا كان فقهاء
طالبان قد أفتوا بتدمير
التماثيل باعتبارها أصناما
مستندين إلي منطق ديني,
فلاشك أن هذا الوفد الإسلامي
الرفيع هو الوحيد المؤهل
لمناقشة هذا المنطق وتوضيح أوجه
القصور به, وكشف ما به من
عوار.
ونجاح الوفد في مهمته يعني
نجاحه في إقناع رجال طالبان
بوقف تدمير تمثالي بوذا,
والتراجع عن فتوي تدمير
التماثيل.
وقد بدا واضحا من الطريقة التي
استقبل بها مسئولو طالبان وفد
منظمة المؤتمر الإسلامي, أن
توقعات نجاح الوفد في مهمته لا
مكان لها, وفعلا فشل الوفد في
تغيير موقف طالبان, والأسوأ
أنه لم يتمكن من لقاء الملا محمد
عمر, أمير المؤمنين الأفغاني,
وصاحب الأمر والنهي.
وكان في انتظار الوفد عملية خلط
أوراق متعمدة, فقد قيل لهم في
البداية إنكم أخطأتم العنوان,
كان عليكم أن تتوجهوا إلي حيث تم
تدمير مسجد السلطان بابري في
الهند علي أيدي المتعصبين
الهندوس, أو إلي فلسطين حيث
سيطر الإسرائيليون علي المسجد
الأقصي, ويرفضون الاعتراف
بالقدس عاصمة للدولة
الفلسطينية, وحيث تقتل
القوات الإسرائيلية المدنيين
الفلسطينيين.
وقد نسي مسئولو طالبان أن
يطالبوا وفد منظمة المؤتمر
الإسلامي بالعمل من أجل استعادة
الأندلس من أيدي الحكومة
الأسبانية, وإعادة إقامة
الدولة والحضارة الإسلامية
مثلما كانت هناك حتي عام1500,
وبذل الجهود لاستعادة كل
الأراضي التي كانت جزءا من
الامبراطورية الإسلامية من
الصين شرقا حتي الأندلس غربا.
وهذا الخلط المتعمد للأوراق
لتمييع القضية التي حضر الوفد
من أجلها, وتشتيت انتباه
أعضائه, وتوبيخهم في نفس
الوقت وتحميلهم كل تقصير من
جانب العالم الإسلامي تجاه
القضايا الإسلامية بمختلف بقاع
العالم, وبما أن الوفد في
معظمه لا يجيد الجدل ومحاولات
الالتفاف, فقد سقطوا في
الكمين الطالباني, وتشعبت
المناقشات وتفرعت هنا وهناك,
ولأن الوقت المتاح قصير, فلم
يكن أمامهم فرصة لمواصلة النقاش
وحل كل القضايا الإسلامية.
ولست أدري ما هي علاقة تدمير
مسجد السلطان بابري بالهند
بقضية التماثيل البوذية؟..
لقد ارتكب المتعصبون الهنود
جريمة ودمروا مسجدا, فهل كان
المطلوب أن يحشد العالم
الإسلامي الجيوش لمحاربة هؤلاء
المتعصبين؟.. أي هل كان
مطلوبا شن الحرب علي الهند؟..
وهل في إمكان كل العالم
الإسلامي أن يفكر مجرد التفكير
في مثل هذا العمل؟
لقد كان المتاح أمام كل دول
العالم الإسلامي أن ترفع صوتها
بالاحتجاج بكل السبل المتاحة,
سياسيا ودبلوماسيا وإعلاميا
وشعبيا.. وهنا يمكن القول إن
حملة الإدانة الإسلامية كانت
قوية ومسموعة.
أما الصراع الفلسطيني ـ
الإسرائيلي, فجزء من الصراع
العربي ـ الإسرائيلي. ومنذ
عام1948 والمعارك تتجدد بين
الطرفين, فمن1948 إلي1956,
إلي1967, إلي انتصار أكتوبر1973
إلي غزو لبنان عام1982, وثم
الانسحاب من لبنان, وأخيرا
من الجنوب اللبناني.
وبانتصار أكتوبر انفتح الطريق
للسلام, واستعادت مصر
سيادتها علي كل أرضها,
ومازالت مسيرة السلام مستمرة
علي الرغم من كل العقبات.
وعلي امتداد سنوات الصراع التي
تجاوزت نصف القرن, ظل الصراع
عربيا ـ إسرائيليا, وفي
معظمه كان مصريا ـ إسرائيليا,
ولم توجه مصر اللوم ولا العالم
العربي لأي أطراف إسلامية.
فهل أراد الطالبانيون تحويل
المعركة إلي معركة إسلامية ـ
إسرائيلية؟ حسنا, وأين هم
هؤلاء الذين!! الانغماس في
هذا الصراع من الإسلاميين؟
ولم تكن عملية إحراج وفد منظمة
المؤتمر الإسلامي بالإشارة إلي
الموقف الإسرائيلي إلا مزايدة
رخيصة, سبقهم إليها كثيرون
من الإسلاميين, ولقد سمعنا
طوال نصف القرن الماضي جعجعة
كثيرة ولم نر طحنا, مثلما
يقول المثل الانجليزي.
المهم إنه بعد فشل الوفد في
إنجاز مهمته, سمعنا تصريحات
من بعض أعضائه لافتة للنظر.
أحدهم أعلن, أن طالبان
لاتزرع الأفيون.
وهذا العالم الإسلامي ذو المنصب
المرموق أشك أنه يستطيع التفرقة
بين حقل القمح وحقل الشعير,
فما بالك بتمييز شجرة الخشخاش
والتعرف علي الأرض المزروعة
بالمخدرات من غيرها؟!
والرجل يقينا لا يعرف الكذب,
ولأنه صادق فقد افترض الصدق في
الآخرين, ونسي الرجل أنه كان
يجالس عددا من الإسلاميين
السياسيين, أي يجالس من
يستحل الكذب, اذا كان يحقق له
أهدافه.. وقد كذب المسئولون
الذين أخبروه أن أفغانستان
لاتزرع الأفيون, لأن نفس
هؤلاء الناس اعترفوا كثيرا
بأنهم في حاجة للاستمرار في
زراعة المخدرات للحصول علي
المال والسلاح, وأكدوا أنهم
سيتوقفون عن هذا النشاط, إذا
ما استقرت الأوضاع ونالوا
اعتراف العالم, وخصصت لهم
حصة من المعونات والمنح والقروض
تساعدهم علي إعادة بناء
الاقتصاد وهياكل الدولة
الأفغانية, وربما لا يعرف
هذا الشيخ وغيره من أعضاء الوفد
أن أفغانستان عرفت زراعة
المخدرات منذ سنوات طويلة,
خاصة منذ تولت الجماعات
الشيوعية السلطة وبدء الاحتلال
السوفيتي عام1979.
وعندما تمكنت طالبان من السيطرة
علي النسبة الأكبر من مساحة
أفغانستان, أصبحت المخدرات
هي المصدر الرئيسي للعملة.
وليت الشيخ عضو الوفد لم يدل
بمثل هذا التصريح, أولا لأنه
ليس من الخبراء, ثانيا لأنه
لم يطلع علي الموقف بشكل كامل,
وثالثا لم تتح له فرصة زيارة مثل
هذه المزارع أو غيرها ليتأكد من
نوع المحاصيل المزروعة,
ورابعا, لأن ذلك خارج نطاق
مهمته.
وقال شيخ آخر إن طالبان تمنع
تعليم البنات لعدم وجود مدارس
لاستقبالهن.. شوف السذاجة
ياراجل إن ثمن دبابة واحدة يمكن
أن يبني عدة مدارس لا مدرسة
واحدة للبنات.
ويبدو أن مولانا لم يقرأ فتاوي
وأوامر طالبان فيما يتعلق
بالمرأة والبنات, إن موقف
طالبان المتشدد والمتزمت ليس
بغريب علي منظمات ومجموعات
التيار الإسلامي السياسي,
الكل ينظر إلي المرأة نظرة
سلبية, بل هناك دول إسلامية
مازالت تحرم المرأة من ممارسة
حقوقها السياسية, ودول أخري
تحد من نشاطها, وقد تمنعها من
السفر أو الخروج دون محرم أو من
القيادة.
واذا كانت طالبان قد ذهبت إلي
آخر الشوط, فلماذا يجد
مولانا الأمر مستغربا؟
ثم من طلب من هؤلاء العلماء أن
يتحولوا إلي مدافعين أو مبررين
لجرائم وأخطاء النظام
الطالباني؟
هل هناك من بينهم من رأي أن
حكومة إسلامية في أفغانستان حتي
ولو كانت طالبانية أمر يستحق
الدعم والمساندة؟
أم أن بعض أعضاء الوفد من
الاخوان المسلمين قد أقنعوهم
بأن حكومة طالبان مكسب للمسلمين
والإسلام؟
ويبدو أن أعضاء الوفد في معظمهم
لم يتنبهوا إلي أن مسئولي
طالبان لم يوقروهم أو يحترموهم
بدرجة كافية, فأن يقولوا لهم
إن أفغانستان لا تزرع الأفيون,
ولا تتجر في المخدرات, وإن
عدم وجود مدارس هو السبب في عدم
تعليم البنات, فتلك أكاذيب
صغيرة ومكشوفة ولا يخاطب بها
طالباني الآخرين إلا إذا كان
يدرك أنهم مجموعة من السذج أو
البلهاء.
ان مخاطبة رجال طالبان لأعضاء
الوفد بهذا الأسلوب, وهذا
المنطق, وبهذا المستوي من
الأكاذيب, لهو دليل علي
استصغارهم لشأنهم.
ونأتي لعضو آخر من أعضاء الوفد,
وفد منظمة المؤتمر الإسلامي,
هذا الشيخ هاجم تدمير طالبان
للتمثالين, واعتبره عملا ضد
الإسلام. ومثل هذا الموقف
المبكر يحمد للرجل.
ولكن سرعان ما غير مولانا موقفه
بعد أن عاد من زيارته
الطالبانية, وقدم عشرات
المبررات للموقف الطالباني
منها الحصار المفروض علي طالبان
والضغوط التي تتعرض لها.
ويبدو أن طالبان وقدرتها علي
الإقناع لم تكن هي السبب الوحيد
لتغيير موقف الشيخ, فقد
اكتشف أنه أصبح عرضة للهجوم من
جانب عدد لا بأس به من منظمات
وجماعات التيار السياسي
الإسلامي, خاصة من الأطراف
المتشددة بهذا التيار, لذا
آثر السلامة وغير موقفه.