طالبان‏..‏ والخطأ التاريخي

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الأهرام: نص الخبر

41755 ‏السنة 125-العدد 2001 ابريل 2 ‏8 من محرم 1422 هـ الأثنين

طالبان‏..‏ والخطأ التاريخي
بقلم‏:‏ د‏.‏ وفاء إبراهيم
أستاذ علم الجمال
بكلية البنات ــ جامعة عين شمس

وا إسلاماه‏!‏ هذه هي الصيحة الشجية التي كانت تنطلق دائما كلما انتهك أجنبي أو غريب بلاد الإسلام أونال من مقدساته وحرماته‏.‏ ولكن هذه الصيحة أخذت في الخفوت شيئا فشيئا‏,‏ ثم آلت إلي التلاشي والزوال‏,‏ فلم تعد تنطلق أو تسمع منذ أمد بعيد‏,‏ مهما حاق بديار الإسلام ومهما حل بها‏.‏ وإننا لنطلقها ها هنا الآن‏,‏ مصحوبة بكل الدهشة والأسي‏,‏ بعد ان صار الإسلام ستارا يلتحف به أبناؤه‏,‏ الذين صاروا هم انفسهم الذين ينزلون به ــ عن جهل ووعي ممزق وشقي ــ كثيرا من ألوان الأذي‏,‏ ويلحقون به كثيرا مما يوهن قوته‏,‏ ويهدد دياره ومقدساته وكل مقوماته وموروثاته‏.‏
ومن ذلك ماصنعه أخيرا حكام أفغانستان في مفتتح القرن الحادي والعشرين‏,‏ من تحطيم لتماثيل بوذا الموجودة هناك‏,‏ بناء علي فتوي استندت إلي سابقة تحطيم الرسول صلي الله عليه وسلم للأصنام والأوثان‏,‏ التي كانت تحيط بالكعبة المشرفة‏,‏ يوم إذ عاد إلي مكة فاتحا منذ أربعة عشرقرنا‏.‏
لقد ارتبط تحطيم الرسول للأصنام في ذهن المسلمين شيئا فشيئا بنوع من سوء الفهم لموقف الإسلام من الفنون‏,‏ وخصوصا فنون النحت والتصوير‏,‏ حتي صار من الراسخ في الظن أن الإسلام يحرمها ويمنعها‏.‏ والأمر في الحقيقة علي غير ذلك‏.‏

والذي يبدو جليا وواضحا لكل مسلم يملك بصيرة وفهما لروح الدين الإسلامي‏,‏ ولمسيرته في التاريخ وسيرته مع العالم المحيط بنقطة انطلاقه الأولي‏,‏ في الجزيرة العربية‏,‏ هو أن واقعة تحطيم الأصنام‏,‏ ومبدأ منع صنع التماثيل إنما كانا يهدفان إلي تجنب شبهة عبادتها من دون الله مرة أخري‏.‏
لقد كان ذلك توجها مقصودا من الإسلام في بدايته‏,‏ لكي يكون ضمانا لتأسيس فكرتي التوحيد والتنزيه‏,‏ وتأكيدا لهما في وعي المسلمين الوليد‏.‏ ولكن هذه الغاية ارتبطت بعدذلك بنوع من سوء الفهم‏,‏ ظل يتراوح بين الخفوت والبروز‏,‏ وفقا للظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التي تتحكم في الوعي الإسلامي من حقبة إلي أخري‏.‏
لقد كان مبدأ منع صنع التماثيل وتحريم اتخاذها أصناما وأوثانا‏,‏ مبدأ ترق‏,‏ ووسيلة تربوية وأخلاقية‏,‏ أراد بها الرسول صلي الله عليه وسلم ان ينقل الوعي العربي الإسلامي من المجسمات إلي اللا مجسمات‏,‏ ومن المرئي إلي اللا مرئي‏,‏ وفقا للرؤية الإسلامية التي تقوم علي ارتباط العالمين الروحي والمادي‏,‏ وعلي تواصل عالمي الغيب والشهادة وتفاعلهما معا‏,‏ وتقوم كذلك علي الإيمان بهما معا‏,‏ شرطا لاكتمال إيمان المسلم‏.‏ ولذلك فقد كان لابد من تدريب النفس الإسلامية في بدء الدعوة علي مجاوزة المادي والعلو عليه‏,‏ وعلي تنمية القدرة علي تصور مفهوم الله الذي ليس كمثله شيء‏,‏ دون حلولية أو تشبيه أو تجسيد‏.‏ وما إن سارت العقيدة الإسلامية في طريقها الظافر المقدر لها‏,‏ وازدادت قوة وصلابة وبسطت سلطانها في الأرض بالفتوح‏,‏ ورسخته في قلوب اصحابها وقلوب الداخلين في رحابها من الشعوب المحيطة‏,‏ وما إن تبلور مفهوما التوحيد والتنزيه في وعي هذه الشعوب إلي الأبد‏,‏ وسقط مفهوم الشرك الوثني إلي غير رجعة ــ ما إن تم ذلك كله‏,‏ حتي سقط كذلك مسوغ التحريم‏.‏

فالتحريم كان مرتبطا بالنهي عن عبادة الأوثان والاصنام‏,‏ وعن تصوير الله مجسدا‏,‏ ولم يكن مرتبطا بمنع فن صنع التماثيل في حد ذاته‏,‏ أو منع فن التصوير في حد ذاته‏.‏ ولأنه لايمكن ان يستمر تحريم بلا مسوغ‏,‏ فقد انقضي هذا التحريم بانفضاء اسبابه‏,‏ لأنه كان كما قلنا مجرد مبدأ تربوي وتأسيس وكان موقفا محددا بحدود معينة زمانا ومكانا‏,‏ ولأنه ليس كأنواع التحريم الأخري‏,‏ مثل تحريم السرقة‏,‏ وشرب الخمر‏,‏ والقتل‏,‏ والزنا‏,‏ فتلك جميعا لاينفك عنها مسوغ تحريمها‏,‏ ولايزال قائما دائما‏,‏ مادامت الحياة مستمرة‏,‏ وإلي يوم الدين‏.‏
وكان ذلك المنع من جهة أخري ــ وهذا أمر في غاية الأهمية بالنسبة لعلاقاتنا بالعالم ــ كان منعا خاصا بالمسلمين في الجزيرة العربية دون غيرهم من المسلمين‏,‏ وكذلك دون غيرهم من أصحاب الديانات الأخري في غير الجزيرة العربية‏.‏ وليس هناك ماهو ادل علي ذلك من أن الصحابة وسائر المسلمين في كل فتوحاتهم الإسلامية علي مدي القرون وعلي مدي الأقطار الشاسعة التي دخولها‏,‏ لم يهدموا صنما أو وثنا‏,‏ ولم يأمروا بتحطيم ماكان يعبد‏,‏ أو لا يعبد‏,‏ من تماثيل الآلهة والآباء والملوك والفراعين‏,‏ في العراق وفارس والشام ومصر وغيرها من البلدان‏.‏ ثم جاءت احداث التاريخ من بعد مصدقة لذلك الوعي الإسلامي الإنساني‏;‏ فأين اليوم أولئك الذين يعبدون أصناما هنا أو هناك في مختلف أرجاء الأرض؟ لقد زالت الوثنية وبادت‏,‏ وبقي الفن والجمال والإبداع‏.‏
ولقد كان التحريم والمنع لصناعة التماثيل مرتبطا ــ كما قلنا ــ باللحظات الأولي للعقيدة الإسلامية‏;‏ وهي لحظات تأسيس مرتبطة بمكان تأسيس‏,‏ هو أرض الجزيرة العربية‏,‏ ومرتبطة بزمان تأسيس‏,‏ هو زمان التنزيل‏.‏ فالتأسيس مرتبط بإطار تاريخي وإطار جغرافي محددين‏,‏ يقيمان النطاق الخاص الذي يصوغ المركز الزماني والمكاني للنموذج المثالي‏,‏ الذي ارتبط في أساسه بالبنيان المقدس‏:‏ الكعبة‏,‏ التي هي أول بيت أقيم لله في الأرض‏,‏ وبالمحيط العربي الأول‏,‏ وخصوصا في المدينة المنورة‏.‏

ولكن حركة هذه الفكرة التأسيسية للعقيدة خارج مكان التنزيل وزمانه‏,‏ أي خارج مكة والمدينة‏,‏ وخارج الجزيرة العربية‏;‏ أي حركتها في أرجاء العالم الإنساني‏,‏ وحركتها في زمان التاريخ الإنساني‏,‏ بعد لحظة التنزيل‏,‏ اخذت تطرح نفسها علي الآخرين من خلال مباديء هي في جوهرها وفي غاياتها القصوي‏,‏ مباديء محررة للإنسانية‏:‏
فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ولو شاء الله لجمعهم علي الهدي‏,‏ فلا تكونن من الجاهلين ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا‏,‏ أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين؟‏;‏ وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا‏,‏ ولكل وجهة هو موليها ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة‏,‏ ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك‏.‏ أي ان الإسلام صار يطرح نفسه من خلال قبول التعامل اللاحق مع البشر‏,‏ علي احتلافهم‏,‏ بما هم عليه‏:‏ إن شاءوا آمنوا‏,‏ وإن شاءوا ظلوا علي أديانهم التي كانوا عليها ذلك لأنه دين السلام والرحمة‏,‏ وما أرسلناك إلا رحمة للعاملين‏,‏ وذلك تأسيسا علي أن الله في الإسلام هو رب العالمين‏,‏ وليس رب الجنود‏,‏ أو القبيلة‏,‏ أو شعب من الشعوب‏,‏ أو جنس دون غيره من الأجناس‏;‏ ولذلك كان محمد صلي الله عليه وسلم الرحمة المهداة إلي كل العالمين‏.‏
وأول مقتضيات الرحمة للعالمين‏,‏ وأول ثمارها‏,‏ هو الحرية والسلام المبتادلين بين كل العالمين‏.‏ وأول مقتضي الحرية والسلام هو ضمان حق العقل الإنساني في البحث عن الحقيقة‏,‏ كل حقيقة‏,‏ عقدية أو غير عقدية‏,‏ دون إكراه لهذا العقل أو إغواء أو إغراء أو تغرير‏,‏ وذلك علي نحو ما أوضح اسماعيل الفاروقي‏,‏ رحمه الله‏,‏ وأكد في بحوثه وفي سلوكه‏,‏ الذي كان يمارس به دوره المؤثر في الدعوة إلي الإسلام‏,‏ في الولايات المتحدة الأمريكية‏.‏

إن الإيمان في الإسلام والقرآن يساق دائما في سباق الدعوة إلي البحث عن الحقيقة‏,‏ والناس فيهما مدعوون دائما ومخاطبون بوصفهم باحثين عن الحقيقة‏.‏ وذلك هو جوهر العقل الإسلامي‏:‏ عقل باحث عن الحقيقة‏.‏ ولذلك كان الإيمان في الإسلام طريقا ومسيرة‏,‏ وليس لحظة منتهية‏,‏ أو نقطة بداية تكون في الوقت نفسه هي كذلك نقطة النهاية‏.‏ وذلك مغزي النقلة من الإسلام إلي الإيمان‏:‏ قل لم تؤمنوا‏,‏ ولكن قولوا أسلمنا‏,‏ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم‏,(‏ هذا فضلا عن مسيرة وعي المسلم نحو الإحسان‏,‏ علي نحو ما ورد في الحديث الشريف‏).‏ فالإيمان في الإسلام اذن تاريخ طويل من المجاهدة الشخصية والتجربة والبحث والعلو‏,‏ والزيادة والتغير‏,‏ والتطور والنمو‏,‏ مع كل نمو يحققه وعي الإنسان الذاتي والجماعي‏,‏ ومع نمو علمه وخبرته‏,‏ ونمو قوته المادية والروحية‏,‏ ورقيه المدني والثقافي‏,‏ بتفاعل الذات مع نفسها‏,‏ ومع الذوات الأخري‏,‏ حضارات وديانات وأعراقا وشعوبا وقبائل‏,‏ وبما يقتضيه ذلك التفاعل مع التفطن إلي التأويل الكلي الجدلي للوجود الإنساني‏;‏ الأمر الذي يؤدي إلي التفطن إلي ضرورة احترام الاختلاف تلك الضرورة التي هي مناط كل وحدة كلية جدلية فما دام الإسلام دين السلام والرحمة فإنه يرعي بالضرورة كلية المصالح الإنسانية‏,‏ وكلية المصير الإنساني‏,‏ وكلية التاريخ الإنساني تلك الكليات التي لم يحتفل بها كتاب آخر‏,‏ كما احتفل القرآن الكريم‏.‏
وهذا هو الضمان الحقيقي ــ إذا وعيناه ومارسناه ــ لاستمرار حركة الإسلام في التاريخ‏,‏ انطلاقا من تواصله مع كل الناس‏:‏ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا‏,‏ وما أرسلناك إلا كافة للناس‏,‏ وهذا هو كذلك الضمان لعدم الجمود عند لحظة ما‏,‏ أؤلي أو ثانية‏,‏ وتثبيتها برغم اختلاف الزمان والمكان‏,‏ وبرغم المسيرة الطويلة للاجتهاد الإسلامي بمقتضي روح الإسلام ذاته‏,‏ في كل مجالات الحضارة‏,‏ علي نحو مكافيء لزمانه ولمكانه حيثما وجد‏.‏

لقد تجادل الرسول صلي الله عليه وسلم نفسه مع نموذج مكة‏,‏ وذلك بتأسيس نموذج المدينة‏,‏ فحين فتح مكة لم يستقر فيها ليكتفي بنموذجها‏,‏ ولقد كانت جديرة بذلك‏;‏ فهي مقر بيت الله الحرام‏,‏ وأول مهبط للتنزيل‏,‏ ومنطلق إسراء الرسول ومعراجه‏,‏ ولكنه لم يفعل ذلك‏,‏ وعاد إلي المدينة لكي يستكمل فيها تقديم النموذج الآخر‏,‏ وذلك لأنه إنما كان يهدف إلي أن يبقي النموذجان معا‏,‏ نموذج مكة ونموذح المدينة‏,‏ كل منهما بإزاء الآخر‏,‏ لكي تتولد من بعدهما‏,‏ ومن داخل الجدل معهما‏,‏ سائر النماذج‏:‏ الكوفة علي يد علي‏,‏ ودمشق علي يد معاوية‏;‏ وبغداد علي يد العباسيين‏;‏ والقاهرة علي يد الفاطميين‏,‏ ثم سائر النماذج التي توالدت وتفاعلت علي امتداد الزمان والمكان‏,‏ من شرق بلاد الإسلام وإلي غربها‏,‏ من بخاري وسمرقند‏,‏ إلي قرطبة وغرناطة وإشبيلية‏,‏ وصولا إلي اسطنبول‏.‏
فما الذي يمثله كل نموذج من هذه النماذج علي الحقيقة؟ وكيف تجادل كل نموذج منها مع الآخر؟ وكيف تفاعل مع العالم‏,‏ أو تقاعس عن هذا التفاعل؟
إن شعوبا غير إسلامية من حولنا‏,‏ أو علي مبعدة منا‏,‏ تعيد بناء تاريخها وتعيد تأويل نماذجها‏,‏ علي النحو الذي يؤسس وجودها في العالم‏,‏ ويجعل لها ثقلا في موازين القوي العالمية‏,‏ وعلي النحو الذي يجعل لها موقعها المؤثر في اتخاذ قرارات العالم وفي قيادته‏,‏ وذلك علي حين نؤول نحن تاريخنا ونماذجنا علي النحو الذي يكاد يخرجنا من العالم ومن حسبانه‏,‏ بل يهييء الأسباب التي تجعل العالم ينظر إلينا بوصفنا أعداء له ولمصالحه‏,‏ واعداء للتقدم والحضارة الإنسانيين‏,‏ ويجعله كذلك يجد المبررات‏,‏ التي يبحث عنها‏,‏ لإشاعة هذه النظرة إلينا‏.‏

إن عدم وعينا بتاريخنا الإسلامي يرجع إلي عدم وعينا بنماذجه المعقدة المتجادلة‏,‏ في محتلف مجالات العقيدة والفكر والسياسة والاجتماع‏...‏ إلخ‏,‏ ويرجع إلي نظرتنا التبسيطية لهذه النماذج‏,‏ وعدم التمييز بين ماهو محلي وماهو عالمي فيها‏,‏ وعدم التمييز بين مايدخل في العقيدة وما يدخل في التاريخ‏,‏ وعدم التمييز‏,‏ فوق ذلك‏,‏ بين ما يخرج من نطاق العقيدة ليدخل في نطاق التاريخ الإنساني‏.‏ وأوضح مثال علي ذلك هو تلك التماثيل التي دخلت مجال العقيدة في زمن ما‏,‏ وعبدت لدي كل الشعوب القديمة‏,‏ خصوصا قبل الإسلام‏,‏ ثم تطور الوعي الإنساني‏,‏ فخرجت من مجال العقيدة ودخلت مجال التاريخ الإنساني‏,‏ ومجال الفن والابداع الإنسانيين‏.‏
ومن هنا كانت جريرة طالبان خطيئة أو زلة معرفية‏,‏ عقدية وثقافية وإنسانية‏,‏ خصوصا إذا علمنا أن بوذا لم يكن إلها‏,‏ ولم تكن تماثيله اصناما معبودة‏,‏ ولكنها تجسيد لنموذج الإنسان الكامل‏,‏ لدي الملايين من جيراننا الآسيويين‏,‏ الذين جسدوه في تماثيل لتخليد معانيه علي نحو ما نصنع كل الشعوب والحكومات الآن حين نصنع تماثيل وصورا لقادتها وعظماائها وأبطالها لتخليد معانيهم‏.‏
إن المعني الذي يعنيه اسم بوذا عند جراننا الشرقيين الذين يمثلون عمقنا الاستراتيجي والثقافي‏,‏ الذي ينبغي ان يكون لنا سندا وظهيرا ــ إن ذلك المعني هو المستنير‏,‏ الذي يرفع غشاوة الجهل عن أعين الناس‏.‏ ومن يدري ؟ فربما كان بودا وغيره من الشخوص المبجلة في آسيا‏,‏ يمكن ان يدخلوا في عداد الأنبياء والرسل‏,‏ الذين اشار إليهم القرآن الكريم‏,‏ ممن لم يكن يقصصهم الله علي الرسول؟‏:‏ ومنهم من لم نقصص عليك‏,‏ ورسلا لم نقصصهم عليك‏,‏ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا‏,‏ ولكل قوم هاد‏.‏

وإذا كان سلوك نظام طالبان يمكن تفسيره حقا بما يعانيه من حصار وانعزال عن العالم‏,‏ فإن ذلك عامل جزئي يعود في أساسه إلي عامل أشمل وأبعد وأعمق‏,‏ هو الذي ادي في الوقت نفسه إلي هذا الحصار والانعزال‏,(‏ ولا أستبعد ان ينطبق ذلك علي سائر مواقع الاشتعال الإسلامية الأخري‏,‏ وعلي سائر المسلمين في كل مكان‏,‏ علي نحو أو آخر‏),‏ ذلك العامل هو انشقاق الوعي الإسلامي‏;‏ وذلك نتيجة لسلوك عقلي عام لدينا‏,‏ هو قياس الحاضر علي الماضي‏,‏ دون نظر جدلي‏,‏ ودون التمييز بين الخاص والعام‏,‏ والمثالي والواقعي‏,‏ والمطلق والنسبي‏,‏ والمحلي والعالمي‏,‏ والتأسيسي‏(‏ أي النموذج المحلي لوجود الفكرة‏),‏ والتوسعي‏(‏ أي النموذج العالمي لوجودها في كل زمان وكل مكان‏),‏ علي أساس ان التمييز بين التأسيسي والتوسعي للفكرة هو التمييز بين وجودها في لحظة تخلقها في الزمان والمكان المحددين‏,‏ ولحظة امتدادها في كل زمان ومكان‏.‏ تلك هي بعض المنطلقات الضرورية للنظر الاستراتيجي المعرفي‏,‏ الشامل والجدلي‏,‏ الذي نفتقر إليه‏,‏ وللتأويل الكلي‏,‏ الذي لم نكد نقبض عليه‏.‏
ولنضرب هاهنا مثالا جدليا بينا‏,‏ وبسيطا‏,‏ ضربه لنا سيدنا عمر‏,‏ يحضرنا الآن‏,‏ وذلك حين قال في أخريات أيامه‏:‏ لو أنني استقبلت من أمري ما استدبرت‏,‏ لسويت بين المسلمين في العطايا‏,‏ بعد إذ كان يفرق بينهم بحسب مراتبهم في السبق إلي الإسلام والسبق في الجهاد من أجله‏.‏ فهل نستطيع ان نستوعب حقا ذلك المغزي الجليل في ذلك الاجتهاد الجدلي الفذ‏,‏ الذي مارسه سيدنا عمر مع صميم معايير الإسلام وصميم روحانيته؟
إننا جميعا‏,‏ أفرادا وجماعات ومجتمعات‏,‏ عربية وإسلامية‏,‏ وبدرجات متفاوتة‏,‏ لانحيا العصر‏,‏ ولا نشارك في صنع العالم‏,‏ نتيجة لهذاالانشقاق في الوعي تجاه ذاتنا وماضينا‏,‏ وعقيدتنا‏,‏ وتجاه العالم‏;‏ ومن ثم صار بأسنا بيننا شديدا‏,‏ وصرنا متفرقين يقاتل بعضنا بعضا‏,‏ أو نقاتل جيراننا المسالمين لنا‏,‏ ونعاديهم‏,‏ علي حين نفشل في الوقت نفسه في صد عدوان جيراننا المعادين‏,‏ ونفشل كذلك في التحرر من هيمنة المهيمنين‏,‏ الذين لايزالون يعملون كأنهم فريق أوركسترالي واحد‏,‏ يضبطون إيقاعهم معا‏,‏ ويعزفون عزفهم السيمفوني الموحد لقيم الهيمنة والعدوان والشر‏,‏ ويكادون لايخطئون في ذلك ــ وياللعجب‏!‏ ــ ولو مرة واحدة‏.‏

فما بالنا ونحن أهل الوحدة والتوحيد‏,‏ لانزال عاجزين عن تحويل وجودنا إلي مستوي نموذج أوركسترا الخير‏,‏ التي تضبط إيقاعنا علي عزف يليق بنا‏,‏ لسيمفونيات السلام الحقيقي والقوة الحيقية‏,‏ والتناغم والحرية‏,‏ والوحدة والمنعة‏,‏ دون تبعية للآخر ودون صراع معه‏,‏ لكي نحقق دورنا في إقامة التوازن العالمي‏,‏ ودفع الله الناس بعضهم ببعض‏,‏ لئلا تفسد الأرض بأيدينا وبأيديهم‏,‏ ولكي لانظل في سلوكنا السيزيفي المتكرر‏,‏ المعادي للعالم ولأنفسنا‏,‏ وكأننا ــ حقا ــ نعادي ماهيتنا وهويتنا‏.‏
وكفانا غرورا وفخرا بما كان‏,‏ ولنتوجه إلي ماينبغي أن يكون‏,‏ ولنتوقف عن ممارسة القوة المزيفة وحماقاتها الرعناء‏,‏ ولتكن قوتنا موجهة أولا إلي قيادة أنفسناوبنائها‏,‏ بالإبداع الشجاع وإشعاع الجمال في كل مناحي الحياة‏,‏ لكي نكون جديرين حقا بالمشاركة ــ مجرد المشاركة فحسب ــ في قيادة العالم‏,‏ الذي يؤكد القرآن دائما أنه يسع كل العالمين‏,‏ المشابهين لنا والمخالفين‏,‏ حتي يأتي الوقت الذي لانقول فيه‏:‏ واإسلاماه‏,‏ بل نعيش الإسلام‏,‏ ويعيش بنا‏,‏ ويعيش كذلك بغيرنا‏,‏ بفضل قيمه السمحة المحررة‏,‏ الموحدة والمتوازنة‏.‏
 
 
 
 

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الأهرام: نص الخبر

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games