|
وا إسلاماه!
هذه هي الصيحة الشجية التي كانت
تنطلق دائما كلما انتهك أجنبي
أو غريب بلاد الإسلام أونال من
مقدساته وحرماته. ولكن هذه
الصيحة أخذت في الخفوت شيئا
فشيئا, ثم آلت إلي التلاشي
والزوال, فلم تعد تنطلق أو
تسمع منذ أمد بعيد, مهما حاق
بديار الإسلام ومهما حل بها.
وإننا لنطلقها ها هنا الآن,
مصحوبة بكل الدهشة والأسي,
بعد ان صار الإسلام ستارا يلتحف
به أبناؤه, الذين صاروا هم
انفسهم الذين ينزلون به ــ عن
جهل ووعي ممزق وشقي ــ كثيرا من
ألوان الأذي, ويلحقون به
كثيرا مما يوهن قوته, ويهدد
دياره ومقدساته وكل مقوماته
وموروثاته.
ومن ذلك ماصنعه أخيرا حكام
أفغانستان في مفتتح القرن
الحادي والعشرين, من تحطيم
لتماثيل بوذا الموجودة هناك,
بناء علي فتوي استندت إلي سابقة
تحطيم الرسول صلي الله عليه
وسلم للأصنام والأوثان, التي
كانت تحيط بالكعبة المشرفة,
يوم إذ عاد إلي مكة فاتحا منذ
أربعة عشرقرنا.
لقد ارتبط تحطيم الرسول للأصنام
في ذهن المسلمين شيئا فشيئا
بنوع من سوء الفهم لموقف
الإسلام من الفنون, وخصوصا
فنون النحت والتصوير, حتي
صار من الراسخ في الظن أن
الإسلام يحرمها ويمنعها.
والأمر في الحقيقة علي غير ذلك.
والذي يبدو جليا وواضحا لكل
مسلم يملك بصيرة وفهما لروح
الدين الإسلامي, ولمسيرته في
التاريخ وسيرته مع العالم
المحيط بنقطة انطلاقه الأولي,
في الجزيرة العربية, هو أن
واقعة تحطيم الأصنام, ومبدأ
منع صنع التماثيل إنما كانا
يهدفان إلي تجنب شبهة عبادتها
من دون الله مرة أخري.
لقد كان ذلك توجها مقصودا من
الإسلام في بدايته, لكي يكون
ضمانا لتأسيس فكرتي التوحيد
والتنزيه, وتأكيدا لهما في
وعي المسلمين الوليد. ولكن
هذه الغاية ارتبطت بعدذلك بنوع
من سوء الفهم, ظل يتراوح بين
الخفوت والبروز, وفقا للظروف
السياسية والاجتماعية
والثقافية التي تتحكم في الوعي
الإسلامي من حقبة إلي أخري.
لقد كان مبدأ منع صنع التماثيل
وتحريم اتخاذها أصناما وأوثانا,
مبدأ ترق, ووسيلة تربوية
وأخلاقية, أراد بها الرسول
صلي الله عليه وسلم ان ينقل
الوعي العربي الإسلامي من
المجسمات إلي اللا مجسمات,
ومن المرئي إلي اللا مرئي,
وفقا للرؤية الإسلامية التي
تقوم علي ارتباط العالمين
الروحي والمادي, وعلي تواصل
عالمي الغيب والشهادة
وتفاعلهما معا, وتقوم كذلك
علي الإيمان بهما معا, شرطا
لاكتمال إيمان المسلم. ولذلك
فقد كان لابد من تدريب النفس
الإسلامية في بدء الدعوة علي
مجاوزة المادي والعلو عليه,
وعلي تنمية القدرة علي تصور
مفهوم الله الذي ليس كمثله شيء,
دون حلولية أو تشبيه أو تجسيد.
وما إن سارت العقيدة الإسلامية
في طريقها الظافر المقدر لها,
وازدادت قوة وصلابة وبسطت
سلطانها في الأرض بالفتوح,
ورسخته في قلوب اصحابها وقلوب
الداخلين في رحابها من الشعوب
المحيطة, وما إن تبلور
مفهوما التوحيد والتنزيه في وعي
هذه الشعوب إلي الأبد, وسقط
مفهوم الشرك الوثني إلي غير
رجعة ــ ما إن تم ذلك كله, حتي
سقط كذلك مسوغ التحريم.
فالتحريم كان مرتبطا بالنهي عن
عبادة الأوثان والاصنام, وعن
تصوير الله مجسدا, ولم يكن
مرتبطا بمنع فن صنع التماثيل في
حد ذاته, أو منع فن التصوير
في حد ذاته. ولأنه لايمكن ان
يستمر تحريم بلا مسوغ, فقد
انقضي هذا التحريم بانفضاء
اسبابه, لأنه كان كما قلنا
مجرد مبدأ تربوي وتأسيس وكان
موقفا محددا بحدود معينة زمانا
ومكانا, ولأنه ليس كأنواع
التحريم الأخري, مثل تحريم
السرقة, وشرب الخمر,
والقتل, والزنا, فتلك
جميعا لاينفك عنها مسوغ تحريمها,
ولايزال قائما دائما, مادامت
الحياة مستمرة, وإلي يوم
الدين.
وكان ذلك المنع من جهة أخري ــ
وهذا أمر في غاية الأهمية
بالنسبة لعلاقاتنا بالعالم ــ
كان منعا خاصا بالمسلمين في
الجزيرة العربية دون غيرهم من
المسلمين, وكذلك دون غيرهم
من أصحاب الديانات الأخري في
غير الجزيرة العربية. وليس
هناك ماهو ادل علي ذلك من أن
الصحابة وسائر المسلمين في كل
فتوحاتهم الإسلامية علي مدي
القرون وعلي مدي الأقطار
الشاسعة التي دخولها, لم
يهدموا صنما أو وثنا, ولم
يأمروا بتحطيم ماكان يعبد,
أو لا يعبد, من تماثيل الآلهة
والآباء والملوك والفراعين,
في العراق وفارس والشام ومصر
وغيرها من البلدان. ثم جاءت
احداث التاريخ من بعد مصدقة
لذلك الوعي الإسلامي الإنساني;
فأين اليوم أولئك الذين يعبدون
أصناما هنا أو هناك في مختلف
أرجاء الأرض؟ لقد زالت الوثنية
وبادت, وبقي الفن والجمال
والإبداع.
ولقد كان التحريم والمنع لصناعة
التماثيل مرتبطا ــ كما قلنا ــ
باللحظات الأولي للعقيدة
الإسلامية; وهي لحظات تأسيس
مرتبطة بمكان تأسيس, هو أرض
الجزيرة العربية, ومرتبطة
بزمان تأسيس, هو زمان
التنزيل. فالتأسيس مرتبط
بإطار تاريخي وإطار جغرافي
محددين, يقيمان النطاق الخاص
الذي يصوغ المركز الزماني
والمكاني للنموذج المثالي,
الذي ارتبط في أساسه بالبنيان
المقدس: الكعبة, التي هي
أول بيت أقيم لله في الأرض,
وبالمحيط العربي الأول,
وخصوصا في المدينة المنورة.
ولكن حركة هذه الفكرة التأسيسية
للعقيدة خارج مكان التنزيل
وزمانه, أي خارج مكة
والمدينة, وخارج الجزيرة
العربية; أي حركتها في أرجاء
العالم الإنساني, وحركتها في
زمان التاريخ الإنساني, بعد
لحظة التنزيل, اخذت تطرح
نفسها علي الآخرين من خلال
مباديء هي في جوهرها وفي
غاياتها القصوي, مباديء
محررة للإنسانية:
فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر
ولو شاء الله لجمعهم علي الهدي,
فلا تكونن من الجاهلين ولو شاء
ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا,
أفأنت تكره الناس حتي يكونوا
مؤمنين؟; وجعلناكم شعوبا
وقبائل لتعارفوا, ولكل وجهة
هو موليها ولو شاء ربك لجعل
الناس أمة واحدة, ولايزالون
مختلفين إلا من رحم ربك. أي
ان الإسلام صار يطرح نفسه من
خلال قبول التعامل اللاحق مع
البشر, علي احتلافهم, بما
هم عليه: إن شاءوا آمنوا,
وإن شاءوا ظلوا علي أديانهم
التي كانوا عليها ذلك لأنه دين
السلام والرحمة, وما أرسلناك
إلا رحمة للعاملين, وذلك
تأسيسا علي أن الله في الإسلام
هو رب العالمين, وليس رب
الجنود, أو القبيلة, أو
شعب من الشعوب, أو جنس دون
غيره من الأجناس; ولذلك كان
محمد صلي الله عليه وسلم الرحمة
المهداة إلي كل العالمين.
وأول مقتضيات الرحمة للعالمين,
وأول ثمارها, هو الحرية
والسلام المبتادلين بين كل
العالمين. وأول مقتضي الحرية
والسلام هو ضمان حق العقل
الإنساني في البحث عن الحقيقة,
كل حقيقة, عقدية أو غير عقدية,
دون إكراه لهذا العقل أو إغواء
أو إغراء أو تغرير, وذلك علي
نحو ما أوضح اسماعيل الفاروقي,
رحمه الله, وأكد في بحوثه وفي
سلوكه, الذي كان يمارس به
دوره المؤثر في الدعوة إلي
الإسلام, في الولايات
المتحدة الأمريكية.
إن الإيمان في الإسلام والقرآن
يساق دائما في سباق الدعوة إلي
البحث عن الحقيقة, والناس
فيهما مدعوون دائما ومخاطبون
بوصفهم باحثين عن الحقيقة.
وذلك هو جوهر العقل الإسلامي:
عقل باحث عن الحقيقة. ولذلك
كان الإيمان في الإسلام طريقا
ومسيرة, وليس لحظة منتهية,
أو نقطة بداية تكون في الوقت
نفسه هي كذلك نقطة النهاية.
وذلك مغزي النقلة من الإسلام
إلي الإيمان: قل لم تؤمنوا,
ولكن قولوا أسلمنا, ولما
يدخل الإيمان في قلوبكم,( هذا
فضلا عن مسيرة وعي المسلم نحو
الإحسان, علي نحو ما ورد في
الحديث الشريف). فالإيمان في
الإسلام اذن تاريخ طويل من
المجاهدة الشخصية والتجربة
والبحث والعلو, والزيادة
والتغير, والتطور والنمو,
مع كل نمو يحققه وعي الإنسان
الذاتي والجماعي, ومع نمو
علمه وخبرته, ونمو قوته
المادية والروحية, ورقيه
المدني والثقافي, بتفاعل
الذات مع نفسها, ومع الذوات
الأخري, حضارات وديانات
وأعراقا وشعوبا وقبائل, وبما
يقتضيه ذلك التفاعل مع التفطن
إلي التأويل الكلي الجدلي
للوجود الإنساني; الأمر الذي
يؤدي إلي التفطن إلي ضرورة
احترام الاختلاف تلك الضرورة
التي هي مناط كل وحدة كلية جدلية
فما دام الإسلام دين السلام
والرحمة فإنه يرعي بالضرورة
كلية المصالح الإنسانية,
وكلية المصير الإنساني,
وكلية التاريخ الإنساني تلك
الكليات التي لم يحتفل بها كتاب
آخر, كما احتفل القرآن
الكريم.
وهذا هو الضمان الحقيقي ــ إذا
وعيناه ومارسناه ــ لاستمرار
حركة الإسلام في التاريخ,
انطلاقا من تواصله مع كل الناس:
قل يا أيها الناس إني رسول الله
إليكم جميعا, وما أرسلناك
إلا كافة للناس, وهذا هو كذلك
الضمان لعدم الجمود عند لحظة ما,
أؤلي أو ثانية, وتثبيتها
برغم اختلاف الزمان والمكان,
وبرغم المسيرة الطويلة
للاجتهاد الإسلامي بمقتضي روح
الإسلام ذاته, في كل مجالات
الحضارة, علي نحو مكافيء
لزمانه ولمكانه حيثما وجد.
لقد تجادل الرسول صلي الله عليه
وسلم نفسه مع نموذج مكة, وذلك
بتأسيس نموذج المدينة, فحين
فتح مكة لم يستقر فيها ليكتفي
بنموذجها, ولقد كانت جديرة
بذلك; فهي مقر بيت الله
الحرام, وأول مهبط للتنزيل,
ومنطلق إسراء الرسول ومعراجه,
ولكنه لم يفعل ذلك, وعاد إلي
المدينة لكي يستكمل فيها تقديم
النموذج الآخر, وذلك لأنه
إنما كان يهدف إلي أن يبقي
النموذجان معا, نموذج مكة
ونموذح المدينة, كل منهما
بإزاء الآخر, لكي تتولد من
بعدهما, ومن داخل الجدل
معهما, سائر النماذج:
الكوفة علي يد علي, ودمشق علي
يد معاوية; وبغداد علي يد
العباسيين; والقاهرة علي يد
الفاطميين, ثم سائر النماذج
التي توالدت وتفاعلت علي امتداد
الزمان والمكان, من شرق بلاد
الإسلام وإلي غربها, من
بخاري وسمرقند, إلي قرطبة
وغرناطة وإشبيلية, وصولا إلي
اسطنبول.
فما الذي يمثله كل نموذج من هذه
النماذج علي الحقيقة؟ وكيف
تجادل كل نموذج منها مع الآخر؟
وكيف تفاعل مع العالم, أو
تقاعس عن هذا التفاعل؟
إن شعوبا غير إسلامية من حولنا,
أو علي مبعدة منا, تعيد بناء
تاريخها وتعيد تأويل نماذجها,
علي النحو الذي يؤسس وجودها في
العالم, ويجعل لها ثقلا في
موازين القوي العالمية, وعلي
النحو الذي يجعل لها موقعها
المؤثر في اتخاذ قرارات العالم
وفي قيادته, وذلك علي حين
نؤول نحن تاريخنا ونماذجنا علي
النحو الذي يكاد يخرجنا من
العالم ومن حسبانه, بل يهييء
الأسباب التي تجعل العالم ينظر
إلينا بوصفنا أعداء له ولمصالحه,
واعداء للتقدم والحضارة
الإنسانيين, ويجعله كذلك يجد
المبررات, التي يبحث عنها,
لإشاعة هذه النظرة إلينا.
إن عدم وعينا بتاريخنا الإسلامي
يرجع إلي عدم وعينا بنماذجه
المعقدة المتجادلة, في محتلف
مجالات العقيدة والفكر
والسياسة والاجتماع... إلخ,
ويرجع إلي نظرتنا التبسيطية
لهذه النماذج, وعدم التمييز
بين ماهو محلي وماهو عالمي فيها,
وعدم التمييز بين مايدخل في
العقيدة وما يدخل في التاريخ,
وعدم التمييز, فوق ذلك,
بين ما يخرج من نطاق العقيدة
ليدخل في نطاق التاريخ الإنساني.
وأوضح مثال علي ذلك هو تلك
التماثيل التي دخلت مجال
العقيدة في زمن ما, وعبدت لدي
كل الشعوب القديمة, خصوصا
قبل الإسلام, ثم تطور الوعي
الإنساني, فخرجت من مجال
العقيدة ودخلت مجال التاريخ
الإنساني, ومجال الفن
والابداع الإنسانيين.
ومن هنا كانت جريرة طالبان
خطيئة أو زلة معرفية, عقدية
وثقافية وإنسانية, خصوصا إذا
علمنا أن بوذا لم يكن إلها,
ولم تكن تماثيله اصناما معبودة,
ولكنها تجسيد لنموذج الإنسان
الكامل, لدي الملايين من
جيراننا الآسيويين, الذين
جسدوه في تماثيل لتخليد معانيه
علي نحو ما نصنع كل الشعوب
والحكومات الآن حين نصنع تماثيل
وصورا لقادتها وعظماائها
وأبطالها لتخليد معانيهم.
إن المعني الذي يعنيه اسم بوذا
عند جراننا الشرقيين الذين
يمثلون عمقنا الاستراتيجي
والثقافي, الذي ينبغي ان
يكون لنا سندا وظهيرا ــ إن ذلك
المعني هو المستنير, الذي
يرفع غشاوة الجهل عن أعين الناس.
ومن يدري ؟ فربما كان بودا وغيره
من الشخوص المبجلة في آسيا,
يمكن ان يدخلوا في عداد
الأنبياء والرسل, الذين اشار
إليهم القرآن الكريم, ممن لم
يكن يقصصهم الله علي الرسول؟:
ومنهم من لم نقصص عليك, ورسلا
لم نقصصهم عليك, ولقد بعثنا
في كل أمة رسولا, ولكل قوم
هاد.
وإذا كان سلوك نظام طالبان يمكن
تفسيره حقا بما يعانيه من حصار
وانعزال عن العالم, فإن ذلك
عامل جزئي يعود في أساسه إلي
عامل أشمل وأبعد وأعمق, هو
الذي ادي في الوقت نفسه إلي هذا
الحصار والانعزال,( ولا
أستبعد ان ينطبق ذلك علي سائر
مواقع الاشتعال الإسلامية
الأخري, وعلي سائر المسلمين
في كل مكان, علي نحو أو آخر),
ذلك العامل هو انشقاق الوعي
الإسلامي; وذلك نتيجة لسلوك
عقلي عام لدينا, هو قياس
الحاضر علي الماضي, دون نظر
جدلي, ودون التمييز بين
الخاص والعام, والمثالي
والواقعي, والمطلق والنسبي,
والمحلي والعالمي,
والتأسيسي( أي النموذج
المحلي لوجود الفكرة),
والتوسعي( أي النموذج
العالمي لوجودها في كل زمان وكل
مكان), علي أساس ان التمييز
بين التأسيسي والتوسعي للفكرة
هو التمييز بين وجودها في لحظة
تخلقها في الزمان والمكان
المحددين, ولحظة امتدادها في
كل زمان ومكان. تلك هي بعض
المنطلقات الضرورية للنظر
الاستراتيجي المعرفي,
الشامل والجدلي, الذي نفتقر
إليه, وللتأويل الكلي,
الذي لم نكد نقبض عليه.
ولنضرب هاهنا مثالا جدليا بينا,
وبسيطا, ضربه لنا سيدنا عمر,
يحضرنا الآن, وذلك حين قال في
أخريات أيامه: لو أنني
استقبلت من أمري ما استدبرت,
لسويت بين المسلمين في العطايا,
بعد إذ كان يفرق بينهم بحسب
مراتبهم في السبق إلي الإسلام
والسبق في الجهاد من أجله.
فهل نستطيع ان نستوعب حقا ذلك
المغزي الجليل في ذلك الاجتهاد
الجدلي الفذ, الذي مارسه
سيدنا عمر مع صميم معايير
الإسلام وصميم روحانيته؟
إننا جميعا, أفرادا وجماعات
ومجتمعات, عربية وإسلامية,
وبدرجات متفاوتة, لانحيا
العصر, ولا نشارك في صنع
العالم, نتيجة لهذاالانشقاق
في الوعي تجاه ذاتنا وماضينا,
وعقيدتنا, وتجاه العالم;
ومن ثم صار بأسنا بيننا شديدا,
وصرنا متفرقين يقاتل بعضنا بعضا,
أو نقاتل جيراننا المسالمين لنا,
ونعاديهم, علي حين نفشل في
الوقت نفسه في صد عدوان جيراننا
المعادين, ونفشل كذلك في
التحرر من هيمنة المهيمنين,
الذين لايزالون يعملون كأنهم
فريق أوركسترالي واحد,
يضبطون إيقاعهم معا, ويعزفون
عزفهم السيمفوني الموحد لقيم
الهيمنة والعدوان والشر,
ويكادون لايخطئون في ذلك ــ
وياللعجب! ــ ولو مرة واحدة.
فما بالنا ونحن أهل الوحدة
والتوحيد, لانزال عاجزين عن
تحويل وجودنا إلي مستوي نموذج
أوركسترا الخير, التي تضبط
إيقاعنا علي عزف يليق بنا,
لسيمفونيات السلام الحقيقي
والقوة الحيقية, والتناغم
والحرية, والوحدة والمنعة,
دون تبعية للآخر ودون صراع معه,
لكي نحقق دورنا في إقامة
التوازن العالمي, ودفع الله
الناس بعضهم ببعض, لئلا تفسد
الأرض بأيدينا وبأيديهم,
ولكي لانظل في سلوكنا السيزيفي
المتكرر, المعادي للعالم
ولأنفسنا, وكأننا ــ حقا ــ
نعادي ماهيتنا وهويتنا.
وكفانا غرورا وفخرا بما كان,
ولنتوجه إلي ماينبغي أن يكون,
ولنتوقف عن ممارسة القوة
المزيفة وحماقاتها الرعناء,
ولتكن قوتنا موجهة أولا إلي
قيادة أنفسناوبنائها,
بالإبداع الشجاع وإشعاع الجمال
في كل مناحي الحياة, لكي نكون
جديرين حقا بالمشاركة ــ مجرد
المشاركة فحسب ــ في قيادة
العالم, الذي يؤكد القرآن
دائما أنه يسع كل العالمين,
المشابهين لنا والمخالفين,
حتي يأتي الوقت الذي لانقول فيه:
واإسلاماه, بل نعيش الإسلام,
ويعيش بنا, ويعيش كذلك
بغيرنا, بفضل قيمه السمحة
المحررة, الموحدة
والمتوازنة.
|
| |
| |
| |
| |
|