41650
41650 ‏السنة 125-العدد 2000 ديسمبر 18 ‏22 من رمضــان 1421 هـ الأثنين

ثلاثون عاما علي رحيل جمال عبد الناصر‏(5)‏
عبد الناصر وسياسة مصر الخارجية
بقلم‏:‏د‏.‏ أسامة الغزالي حرب

 
 
هذه الحلقة هي الخامسة والأخيرة من سلسلة المقالات التي نشر أولها مع الذكري الثلاثين لوفاة جمال عبد الناصر‏,‏ ونشرت الحلقات التالية في‏8‏ أكتوبر‏,‏ و‏13‏ نوفمبر‏,‏ و‏17‏ نوفمبر علي التوالي
لا تقل خيارات عبد الناصر الخارجية‏,‏ فيما تثيره من جدل‏,‏ عن خياراته الداخلية‏.‏ كذلك فإن المفارقة الهائلة‏,‏ بين الأهداف والنوايا النبيلة أو المثالية‏,‏ وبين الوسائل والسياسات المتبعة لتحقيقها‏..‏ نجدها أيضا علي الصعيد الخارجي‏,‏ مثلما كانت علي الصعيد الداخلي‏.‏ لذلك‏,‏ ليس مصادفة أن شهرة عبد الناصر‏,‏ ومكانته العالية ارتبطت بتوجهاته الخارجية‏,‏ عربيا ودوليا‏,‏ مثلما أن اخفاقاته وهزيمته القاتلة ارتبطت أيضا بقراراته الخارجية‏!‏
ولاشك‏-‏ ابتداء‏-‏ أن عبد الناصر أعاد صياغة سياسة مصر الخارجية‏,‏ ووضع أسسا إيجابية قوية لها‏:‏
من الناحية الأولي‏,‏ أحدث عبد الناصر نقلة لاشك فيها‏,‏ بالنسبة لـ‏'‏ سياسة مصر الخارجية‏'!‏ فقبل‏1952‏ كان عمر ما يمكن أن يعتبر‏'‏ سياسة خارجية‏'‏ مصرية‏,‏ مستقلة نسبيا‏,‏ لا يزيد عن‏16‏ عاما‏,‏ وبالتحديد بعد معاهدة‏1936‏ مع بريطانيا‏.‏ ففي ظل السيطرة العثمانية‏,‏ لم يكن هناك مجال لـ‏'‏ سياسة خارجية مصرية‏',‏ اللهم في حالة بعض المماليك أو الولاة‏,‏ ذوي الاتجاهات الاستقلالية‏,‏ والذين سعوا لإيجاد سياسة خارجية خاصة بهم مثل‏'‏ علي بك الكبير‏'.‏ وفي ظل‏'‏ محمد علي‏'‏ عرفت مصر طموحا وإنجازا استثنائيا ما لبث أن حاصرته وحجمته القوي الأوروبية‏.‏ وعندما حصل الخديوي اسماعيل عام‏1873‏ علي حق مصر في ابرام اتفاقيات ومعاهدات معينة‏,‏ كان ذلك مشروطا بعدم الاخلال بمعاهدات‏'‏ الدولة العلية‏',‏ فضلا عن عدم وجود أداة دبلوماسية لممارسة تلك السيادة‏,‏ حتي إنشاء‏'‏ نظارة‏'‏ الخارجية في‏.1878‏
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولي‏,‏ وزوال السيادة العثمانية‏,‏ ووضعها تحت الحماية البريطانية‏,‏ الغت بريطانيا وزارة الخارجية المصرية عام‏1914,‏ الي أن عادت مع صدور تصريح فبراير‏1922,‏ ولو أن التحفظات الأربع التي تضمنها التصريح عوقت تكوين سياسة خارجية مصرية حقيقية‏!‏ غير أن تطورات الظروف الدولية في منتصف الثلاثينات‏,‏ ثم توقيع معاهدة‏1936‏ أتاح الفرصة لأول مرة لبدء تبلور‏'‏ سياسة خارجية مصرية‏'‏ حتي مع وجود بند في تلك المعاهدة يمنع طرفيها من أن يتخذا مواقف‏-‏ في علاقاتهما مع البلاد الأجنبية‏-‏ أو يبرما معاهدات‏,‏ تتعارض مع أحكام المعاهدة‏.‏
وعلي أية حال‏,‏ فإن أغلب‏'‏ سياسة مصر الخارجية‏'‏ قبل الثورة‏,‏ إنما اتجه الي حل القضية الوطنية‏,‏ وتحقيق الاستقلال الكامل عن بريطانيا‏.‏ وما عدا ذلك‏,‏ كانت هناك قضايا محددة أثيرت بحكم التطورات الدولية المحيطة بمصر في ذلك الوقت علي رأسها‏:‏ العلاقات المصرية الإيطالية‏(‏ بسبب الوجود الإيطالي في ليبيا‏,‏ وإثيوبيا‏,‏ المؤثر علي حدود مصر الغربية‏,‏ وعلي مياه النيل‏),‏ والعلاقات المصرية الفرنسية‏(‏ أي قضية قطع العلاقات مع حكومة فيشي‏)‏ والاعتراف بالاتحاد السوفيتي‏,‏ فضلا عن مسألة انضمام مصر لبريطانيا في الحرب الثانية‏(‏ والتي عرفت بسياسة تجنيب مصر ويلات الحرب‏!)‏ أما سياسة مصر العربية‏,‏ فإن أسسها الثقافية والشعبية أخذت تتجذر منذ بداية الثلاثينيات كصدي للمواجهة العربية‏-‏ اليهودية في فلسطين‏,‏ قبل أن تتجسد في سياسات رسمية مع دور مصطفي النحاس الأساسي في بناء الجامعة العربية‏,‏ ثم قرار الملك فاروق بخوض حرب فلسطين عام‏.1948‏
غير أن عبد الناصر‏,‏ وقد جاء‏-‏ ليس فقط كأول مصري يمسك زمام السلطة في مصر‏,‏ وإنما أيضا كمعبر عن طموحات جيل جديد‏,‏ وطبقة جديدة‏-‏ تصور سياسة مصر الخارجية مختلفة تماما‏,‏ ومتحررة من كل القيود التي تكبلها‏,‏ مستندة فقط الي تاريخ مصر‏,‏ وموقعها الجغرافي‏.‏ ومن هذا المنظور تساءل عبد الناصر في‏'‏ فلسفة الثورة‏':'‏ ما هو دورنا الإيجابي في هذا العالم المضطرب‏,‏ وأين هو المكان الذي يجب أن نقوم فيه بهذا الدور ؟‏'.‏
وأجاب محددا الدوائر الثلاث الشهيرة لحركة مصر‏,‏ ودورها في العالم‏,‏ أي الدوائر‏:‏ العربية‏,‏ والأفريقية‏,‏ والإسلامية‏!‏ ولاشك أن مصر‏,‏ بزعامة عبد الناصر‏,‏ انطلقت للحركة النشطة‏,‏ علي تلك الدوائر بحيوية ونشاط غير مسبوقين لتمارس‏'‏ أدوارها‏'.‏ وزاد عليها ـ كما جاء بعد ذلك في‏'‏ الميثاق‏'‏ الدائرة الأفرو‏-‏آسيوية‏,‏ والدائرة العالمية أو الأمم المتحدة‏.‏ وبعبارة موجزة‏,‏ فإن عبد الناصر استبدل بسياسة خارجية محدودة‏,‏ مرتبطة بمقتضيات السياسة البريطانية‏,‏ سياسة خارجية طموحة‏,‏ تنطلق من تصور‏'‏ لأدوار‏'‏ تلعبها مصر‏,‏ حتي وإن كانت تتجاوز قدراتها وإمكانياتها‏!‏

‏ الاستقلال والحياد‏:‏
من ناحية ثانية‏,‏ وإذا كان عبد الناصر في خياراته الداخلية قد تأثر بعصره‏,‏ وعبر عنه فإن هذه الحقيقة تبدو أوضح ما يكون في سياسته الخارجية‏.‏ فقد نبذ عبد الناصر الديمقراطية في حقبة ازدهرت فيها النظم الشمولية والسلطوية في العالم‏,‏ وحبذ عبد الناصر الاشتراكية في حقبة شهدت صعود الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي‏.‏ وبالمثل‏,‏ فإن تصور عبد الناصر عن دور مصر تزامن مع ازدهار حركة التحرر الوطني في العالم الثالث‏,‏ بما في ذلك سعي البلاد العربية للتحرر من الاستعمار‏.‏ وفي الواقع‏,‏ فإن نشأة عبد الناصر وتبلور وعيه السياسي إنما تمت في قلب المرحلة التي شهدت بزوغ الحركات القومية في آسيا وأفريقيا‏,‏ بعد الحرب العالمية الأولي‏(‏ بزعامة أتاتورك في تركيا‏,‏ وسعد زغلول في مصر‏,‏ رغاندي في الهند‏,‏ وصن يات سن في الصين‏).‏ ثم تزامنت حركته السياسية النشطة‏,‏ ثم زعامته للثورة مع موجة التحرر الوطني‏,‏ بعد الحرب العالمية الثانية‏,‏ والمعارك الضارية التي خاضها عديد من شعوب آسيا وأفريقيا ضد الامبراطوريات الاستعمارية‏(‏ البريطانية والفرنسية‏)‏ الآفلة‏.‏ ولاشك أن تحقيق‏(‏ استقلال مصر‏)‏ من خلال جلاء الإنجليز كان هو الهاجس الأول لعبد الناصر‏.‏ وقد اتقن الجمع بين أسلوب التفاوض مع الإنجليز‏,‏ جنبا الي جنب مع الضغط عليهم والعمل الفدائي في منطقة القناة‏.‏ ومع أن عبد الناصر قبل في اتفاقية الجلاء أن يسلم بحق بريطانيا في العودة في حالة تهدد حلفائها في المنطقة‏,‏ إلا أن ذلك الوضع انتهي بعد معركة السويس عام‏1956,‏ والغاء معاهدة الجلاء‏,‏ والإستيلاء علي القاعدة البريطانية في القناة‏.‏ وتحقق لمصر‏-‏ لأول مرة في عصرها الحديث‏-‏ استقلالها الكامل‏.‏
والواقع أن‏'‏ أزمة السويس‏'‏ كانت‏(‏ مثلما أصبحت أزمة الخليج بعدها بـ‏35‏ عاما‏!)‏ علامة علي افول نظام عالمي‏,‏ وبزوغ نظام جديد‏,‏ حيث أسدلت الستار علي بقايا الدور القديم‏'‏ لبريطانيا العظمي‏',‏ وكرست علي مسرح السياسة الدولية التنافس المتنامي بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي‏.‏ غير أن الأهم من ذلك‏,‏ أن تلك الأزمة دشنت مشاركة مصر الفاعلة في ريادة العالم الثالث‏,‏ بعد أن كانت أسسها قد وضعت بالفعل في مؤتمر باندونج عام‏.1955‏ وكانت وقفة مصر عبد الناصر ضد العدوان‏,‏ وانتصارها السياسي‏,‏ نموذجا ملهما لبلاد آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية‏,‏ لما يمكن أن تحققه دولة صغيرة تصر علي حرية إرادتها‏.‏ وكان ذلك بدوره هو الأساس المتين الذي قامت عليه حركة الحياد الإيجابي‏,‏ وعدم الإنحياز‏,‏ في السنوات التالية‏,‏ والتي كان عبد الناصر في مقدمة قادتها ورموزها بلاشك‏.‏

‏ العروبة وإسرائيل‏:‏
ثالثا‏,‏ أن عبد الناصر‏,‏ وإن كان ابن عصره أيضا في تعبيره عن التجاوب المصري مع العرب‏,‏ إلا أنه نقل هذا التجاوب الي مرحلة الالتحام والقيادة‏.‏ ومرة ثانية نلاحظ أن نشأة عبد الناصر‏,‏ وتبلور وعيه‏,‏ تزامنت مع حقبة نمو الوعي العربي في مصر منذ بداية الثلاثينيات بتأثير اشتداد الأزمة في فلسطين واندلاع الثورة العربية فيها ضد اليهود‏,‏ فضلا عن نشاط العرب المشرقيين في مصر‏,‏ وخروج المثقفين المصريين للمشرق العربي‏,‏ وتحسن سبل المواصلات مع بلدانه‏.‏ وانعكس ذلك كله في اهتمام شعبي ورسمي شامل‏,‏ علي كل المستويات‏,‏ بقضية فلسطين‏,‏ وهو الأمر الذي بلغ ذروته بعد ذلك‏-‏ كما ذكرنا‏-‏ في قيام مصر بزعامة مصطفي النحاس بالدور الرئيسي في إنشاء الجامعة العربية‏,‏ ثم قرار الملك فاروق بدخول حرب فلسطين‏!‏
لقد اختلف ذلك المناخ جذريا عما كان سائدا قبله بعقدين أو ثلاثة فقط‏!‏ فدعوة مصر من أجل الاستقلال في بداية القرن إنما ارتبطت فقط بالتوجهين‏:‏ الإسلامي‏(‏ الأفغاني‏,‏ وعبده‏,‏ ورضا‏..),‏ والمصري‏(‏ لطفي السيد‏,‏ قاسم أمين‏...)‏ أما التوجه العربي فكان غائبا‏,‏ أو ذيلا للتوجه الإسلامي‏.‏ بل الأكثر من ذلك‏,‏ فإن التوجه العربي الخالص الذي كان يظهر في ذلك الحين في الشام‏,‏ وتبلور سياسيا وعسكريا في حركة الشريف حسين إبان الحرب الأولي‏,‏ وتلقي الدعم من بريطانيا ضد الامبراطورية العثمانية‏,‏ كان موضع شك من المصريين الذين كانوا يعادون بريطانيا‏,‏ ونظر بعض زعمائهم الي الدولة العثمانية كحليف لهم‏.‏ ولذلك كان سعد زغلول في زعامته لثورة‏19‏ علي أساس الفكرة المصرية الخالصة هو أيضا ابن عصره‏,‏ ولا يستحق النقد الذي وجهه اليه عبد الناصر في الميثاق بأنه لم يتطلع الي الحركة العربية خارج سيناء‏!‏
وفي واقع الأمر‏,‏ فإن معارك عبد الناصر الأولي‏:‏ صفقة الأسلحة التشيكية‏,‏ فتأميم القناة‏,‏ ثم معركة‏1956..‏ جذبت إليه بقوة إعجاب ملايين العرب الذين كانوا يسعون للحصول علي الاستقلال‏,‏ أو يجاهدون لتثبيته‏.‏ وسرعان ما تجاوب عبد الناصر مع هذا الإعجاب والتأييد‏,‏ وخاطب الجماهير العربية مشددا علي المحاور الثلاثة التي شكلت آلامها وآمالها‏:‏ محاربة الاستعمار‏,‏ والتصدي لإسرائيل‏,‏ والدعوة للوحدة العربية‏.‏ ولم يكن غريبا في هذا السياق أن حصل عبد الناصر علي حب وتأييد عربي كاسح لم يحظ به زعيم عربي في التاريخ المعاصر علي الإطلاق‏!‏ وعندما جسد عبد الناصر هذا الأمل في الوحدة المصرية السورية وصلت شعبيته الي ذروتها‏,‏ حتي وإن كانت تلك الوحدة قد قامت فعليا علي أسس واهية متسرعة‏,‏ تلاشت مثل حلم جميل عابر‏!‏
في هذا السياق العام‏,‏ كانت مواقف عبد الناصر ضد إسرائيل‏,‏ باعتبارها كيانا دخيلا مصطنعا‏,‏ مغتصبا لأرض فلسطين وحقوق شعبها‏,‏ وتابعا للاستعمار والامبريالية إحدي أعمدة شعبيته العربية‏.‏ ولكن هذا لم يعن في الواقع‏-‏ وطبقا لكل الدراسات الجادة لأفكار ومواقف عبد الناصر‏-‏ أن تسوية الصراع مع إسرائيل كانت علي رأس جدول أعماله‏,‏ بل‏-‏ علي العكس‏-‏ لقد تصور عبد الناصر ذلك الصراع كعملية تاريخية طويلة ومتعددة المراحل‏,‏ وأن الفائز في هذا الصراع لن يتحدد علي أرض معركة عسكرية‏,‏ ولكنه سوف يتحدد من خلال عملية المنافسة العربية‏-‏ الإسرائيلية علي بناء القاعدة الاجتماعية‏-‏ الاقتصادية‏.‏ ولذلك لم يمتلك عبد الناصر خطة إجرائية لتحرير فلسطين‏,‏ وإن كان قد اهتم ببناء وتراكم القوة المصرية بشكل عام‏,‏ والقوة العسكرية بشكل خاص‏,‏ بدءا من إبرام صفقة الأسلحة التشيكية عام‏1955,‏ ثم الاعتماد بشكل مطرد علي السلاح السوفيتي‏,‏ وحتي محاولة امتلاك أسلحة غير تقليدية‏(‏ مثل محاولة تصنيع الصواريخ في مصر‏,‏ والتي قوبلت برد فعل هستيري من جانب إسرائيل‏).‏

‏ انفراد بالقرار‏:‏
لا يباري عظمة الأهداف الخارجية التي توخاها عبد الناصر‏,‏ إلا قصور كثير من الوسائل والسياسات التي اتبعها لتحقيق تلك الأهداف‏.‏
‏ فلاشك‏-‏ أولا‏-‏ أن عبد الناصر انفرد باتخاذ القرارات الأساسية للسياسة الخارجية‏.‏ وطبقا لواحدة من أفضل الدراسات عن اتخاذ قرار السياسة الخارجية لدي عبد الناصر‏(‏ محمد السيد سليم‏,‏ التحليل السياسي الناصري‏),‏ فإن هيكل اتخاذ القرار تمثل فيما يسمي بـمجموعة‏'‏ القائد المسيطر‏'‏ أي‏'‏ مجموعة صغيرة من الأفراد‏,‏ يسيطر عليهم قائد سلطوي واحد يتصرف بمفرده أو بدون تشاور حقيقي مع باقي أفراد المجموعة‏,‏ كما أنه قادر علي اتخاذ أي قرار حتي بدون موافقة أي أو كل أفراد المجموعة‏'‏ وبحكم التعريف‏,‏ فإن أفراد المجموعة يشاركون القائد السلطوي معظم آرائه في السياسة الخارجية‏,‏ كما أنهم يتلقون المعلومات عن طريقه‏,‏ وبالتالي‏,‏ فإن معظمهم يتجه الي تأكيد تفضيلات القائد أو ما يعتقد أنه تفضيلات القائد‏'.‏ والواقع أن هذه المجموعة لم تنتظم في هيكل رسمي أو دستوري محدد باستثناء فترة مجلس قيادة الثورة‏(‏ التي انتهت بانتخاب عبد الناصر رئيسا للجمهورية في‏1956),‏ وفترة إنشاء ما سمي بـ‏'‏ مجلس الرئاسة‏'‏ في سبتمبر‏1962,‏ الذي لم يعمل فعليا إلا في الستة شهور الأولي من تشكيله‏,‏ قبل أن يفتر حماس عبد الناصر له‏.‏ أما السلطة التشريعية‏(‏ مجلس الأمة‏)‏ أو أجهزة السلطة التنفيذية الأخري أو التنظيم السياسي الواحد‏,‏ فلم يكن لأي منها أي دور يذكر في قرارات السياسة الخارجية‏.‏ وكانت قضايا السياسة الخارجية مستثناه من أعمال مجلس الوزراء‏,‏ أما وزارة الخارجية‏'‏ فقد اقتصر دورها علي رصد الأحداث العالمية‏,‏ وتقديم التوصيات الفنية للرئيس‏,‏ وتنفيذ السياسات والقرارات التي اتخذها الرئيس‏'‏ حيث كانت قرارات السياسة الخارجية تصدر من الرئاسة دون استشارة وزارة الخارجية‏!‏ فإذا كان عبد الناصر‏-‏ وفقا لهذا التحليل‏-‏ مسئولا عن انجازات السياسة الخارجية وقراراتها الإيجابية الحاسمة‏,‏ فإنه يظل أيضا هو المسئول عما أصاب تلك السياسة من نكسات وكوارث‏,‏ لاشك أن أخطرها كان قرار سحب قوات الطواريء وما أعقبه من تداعيات انتهت بهزيمة‏.1967‏

شعبية قاتلة‏!‏
من ناحية ثانية‏,‏ نستطيع الآن أن نقول بدرجة عالية من الثقة‏,‏ أن عبد الناصر كان في سياساته الخارجية بشكل عام‏,‏ وتجاه الصراع العربي الإسرائيلي بشكل خاص‏,‏ أسير الشعبية الجارفة التي تحققت له في العالم العربي عقب معركة السويس‏,‏ حيث بدا بصورة البطل المتحدي للاستعمار والصهيونية‏,‏ والرافض دوما لأي تسويات أو مساومات‏.‏ لقد حرص عبد الناصر علي الحفاظ علي هذه الصورة أمام الرأي العام العربي أو أمام‏'‏ الجماهير‏'‏ العربية‏,‏ مهما كان الثمن أو الأساليب‏,‏ حتي وإن تناقضت في كثير أو قليل مع جوهر كثير من سياساته التي كانت معتدلة‏,‏ وحريصة‏.‏
وعلي سبيل المثال‏,‏ وفيما يتعلق بالصراع مع إسرائيل‏,‏ فإن الإنسان يصاب بالدهشة الشديدة‏,‏ لدي قراءة العديد من خطب عبد الناصر الجماهيرية وتصريحاته الموجهة للنخب العربية‏,‏ بل وبعض البيانات العربية التي شارك فيها‏,‏ والمليئة بالتشدد والإصرار علي‏'‏ تحرير فلسطين‏'!‏
ولم يتورع عبد الناصر عن أن يصف‏'‏ الحبيب بورقيبة‏',‏ عندما تحدث عام‏1965‏ عن إمكانية الاعتراف بإسرائيل والتعايش معها بأنه‏'‏ خادم للاستعمار والصهيونية‏'‏ وأنه‏'‏ باع الوطن العربي‏'!‏ وفي هذا السياق‏,‏ يفيض الدكتور حسن نافعة‏(‏ في دراسة ممتازة له في العدد القادم من‏'‏ السياسة الدولية‏)‏ في سرد هذا الجانب من سلوك عبد الناصر‏,‏ ويذكر أنه عندما عقد مؤتمر القمة العربي الأول بالقاهرة في يناير‏1964‏ بدعوة من عبد الناصر أعلن البيان الذي صدر عنه‏'‏ اعتبار أن قيام إسرائيل هو الخطر الأساسي الذي أجمعت الأمة العربية بأسرها علي وقفه‏..‏ وإن علي الدول العربية أن تضع الخطط اللازمة‏,‏ لمعالجة الجوانب السياسية والاقتصادية والإعلامية‏-‏ حتي إذا لم تحقق النتائج المطلوبة‏,‏ كان الاستعداد العسكري العربي الجماعي القائم‏,‏ بعد استكماله‏,‏ هو الوسيلة الأخيرة العملية للقضاء علي إسرائيل نهائيا‏'!‏
لقد تناقضت تلك التصريحات والبيانات النارية والعنترية‏-‏ كما ذكرنا‏-‏ مع جوهر سياسة عبد الناصر الفعلية تجاه إسرائيل والتي قامت علي أساس المواجهة الحضارية الشاملة بعيدة المدي للخطر الإسرائيلي‏,‏ وعدم وضع أي خطة عاجلة‏'‏ لتحرير فلسطين‏'.‏ غير أن هذا التناقض يثير ملاحظتين هامتين‏:‏ أولهما‏,‏ أن عبد الناصر كان دوما عرضة‏'‏ لابتزاز‏'‏ من النظم والأحزاب‏'‏ الثورية‏'‏ العربية‏..,‏ والتي دأبت‏-‏ بشكل مؤسف ومريب‏-‏ علي المزايدة علي سياسات وأقوال عبد الناصر‏,‏ وعلي أن‏'‏ تعيره‏'‏ بالتخاذل في مواجهة إسرائيل‏,‏ وخاصة فيما يتعلق بالسماح بمرور السفن الإسرائيلية في خليج العقبة‏,‏ وهو ما تكرر بعد‏1967‏ عندما قبل مبادرة روجرز‏!‏ ومن المنطقي أن نتصور أن سلوك عبد الناصر المعلن كان‏-‏ علي الأقل في جانب منه‏-‏ رد فعل لتلك المزايدات المشبوهة‏!‏ غير أن الأخطر من ذلك‏-‏ ثانيا‏-‏ هو أن تلك التصريحات زودت إسرائيل‏,‏ بمبررات قوية لأن تعد نفسها لأسوأ الاحتمالات وأن تخطط لضرب عبد الناصر في أقرب فرصة‏.‏ وقد لاحت تلك الفرصة‏,‏ كثمرة ناضجة سهلة‏,‏ عندما تورط عبد الناصر في طلب سحب قوات الطواريء الدولية من سيناء وبدا أمام العالم وكأنه يحشد القوي العربية للهجوم علي إسرائيل‏!‏ وفي صباح الخامس من يونيو‏1967‏ صدرت الأهرام وفي صدر صفحتها الأولي تصريحات عبد الناصر‏'‏ نحن أحر من الجمر انتظارا للمعركة‏,‏ لكي نجعل العدو يفيق من الأوهام ويواجه الحقيقة العربية وجها لوجه‏'!‏

البناء الداخلي‏:‏
وأخيرا يتبقي التساؤل حول علاقة سياسة عبد الناصر الخارجية‏,‏ بأوضاع مصر الداخلية‏.‏ فلقد ذكر عبد الناصر في‏'‏ الميثاق‏'‏ أن‏'‏ السياسة الخارجية لشعب الجمهورية العربية المتحدة هي انعكاس أمين وصادق لعمله الوطني‏'‏ أي أن الطابع‏'‏ الوطني‏'‏ و‏'‏ التقدمي‏'‏ لسياساته الداخلية كان لابد وأن ينعكس علي سياسة مصر الخارجية‏.‏ غير أن ما هو أهم من ذلك‏,‏ يثيره سؤالان أخيران‏,‏ وهما‏:‏ هل استندت طموحات عبد الناصر الخارجية الي امكانيات مصرية حقيقية وكافية‏..‏ أم أن كثيرا من تلك الطموحات والسياسات كانت علي حساب الشعب المصري‏,‏ والدولة المصرية ؟ إن حرب اليمن وتداعياتها وظروفها هي واحدة من القضايا الكبري التي كانت‏-‏ وماتزال تثير‏-‏ هذا التساؤل‏!‏ غير أن من المؤكد بشكل عام أن قصور الانجاز الداخلي‏,‏ والعيوب الجسيمة التي شابت النظام الناصري سياسيا واقتصاديا‏,‏ جعلت كثيرا من سياساته الخارجية غير مستندة الي أساس متين من القوة والامكانيات يبررها‏,‏ ويدعمها‏!‏ أما التساؤل الثاني فهو‏-‏ علي العكس‏:‏ هل كانت السياسات الخارجية الناصرية‏,‏ تخدم دائما مقتضيات البناء الداخلي وتدعيم الاقتصاد المصري ؟ والاسهام في رفاهية الشعب المصري وتقدمه ؟ إن حالة تأميم القناة وبناء السد العالي تشير بالإيجاب عن هذا السؤال‏,‏ ولكن ذلك لم يكن هو الحال دائما في الكثير من القرارات والسياسات‏:‏ العربية أو الدولية‏!‏
 
 
 
 
 
A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games