| |
| |
|
هذه
الحلقة هي الخامسة والأخيرة من
سلسلة المقالات التي نشر أولها مع
الذكري الثلاثين لوفاة جمال عبد
الناصر, ونشرت الحلقات التالية
في8 أكتوبر, و13 نوفمبر,
و17 نوفمبر علي التوالي
لا تقل خيارات عبد الناصر
الخارجية, فيما تثيره من جدل,
عن خياراته الداخلية. كذلك فإن
المفارقة الهائلة, بين الأهداف
والنوايا النبيلة أو المثالية,
وبين الوسائل والسياسات المتبعة
لتحقيقها.. نجدها أيضا علي
الصعيد الخارجي, مثلما كانت علي
الصعيد الداخلي. لذلك, ليس
مصادفة أن شهرة عبد الناصر,
ومكانته العالية ارتبطت بتوجهاته
الخارجية, عربيا ودوليا,
مثلما أن اخفاقاته وهزيمته القاتلة
ارتبطت أيضا بقراراته الخارجية!
ولاشك- ابتداء- أن عبد الناصر
أعاد صياغة سياسة مصر الخارجية,
ووضع أسسا إيجابية قوية لها:
من الناحية الأولي, أحدث عبد
الناصر نقلة لاشك فيها, بالنسبة
لـ' سياسة مصر الخارجية'!
فقبل1952 كان عمر ما يمكن أن يعتبر'
سياسة خارجية' مصرية, مستقلة
نسبيا, لا يزيد عن16 عاما,
وبالتحديد بعد معاهدة1936 مع
بريطانيا. ففي ظل السيطرة
العثمانية, لم يكن هناك مجال لـ'
سياسة خارجية مصرية', اللهم في
حالة بعض المماليك أو الولاة,
ذوي الاتجاهات الاستقلالية,
والذين سعوا لإيجاد سياسة خارجية
خاصة بهم مثل' علي بك الكبير'.
وفي ظل' محمد علي' عرفت مصر
طموحا وإنجازا استثنائيا ما لبث أن
حاصرته وحجمته القوي الأوروبية.
وعندما حصل الخديوي اسماعيل عام1873
علي حق مصر في ابرام اتفاقيات
ومعاهدات معينة, كان ذلك مشروطا
بعدم الاخلال بمعاهدات' الدولة
العلية', فضلا عن عدم وجود أداة
دبلوماسية لممارسة تلك السيادة,
حتي إنشاء' نظارة' الخارجية
في.1878
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولي,
وزوال السيادة العثمانية,
ووضعها تحت الحماية البريطانية,
الغت بريطانيا وزارة الخارجية
المصرية عام1914, الي أن عادت مع
صدور تصريح فبراير1922, ولو أن
التحفظات الأربع التي تضمنها
التصريح عوقت تكوين سياسة خارجية
مصرية حقيقية! غير أن تطورات
الظروف الدولية في منتصف
الثلاثينات, ثم توقيع معاهدة1936
أتاح الفرصة لأول مرة لبدء تبلور'
سياسة خارجية مصرية' حتي مع وجود
بند في تلك المعاهدة يمنع طرفيها من
أن يتخذا مواقف- في علاقاتهما مع
البلاد الأجنبية- أو يبرما
معاهدات, تتعارض مع أحكام
المعاهدة.
وعلي أية حال, فإن أغلب'
سياسة مصر الخارجية' قبل الثورة,
إنما اتجه الي حل القضية الوطنية,
وتحقيق الاستقلال الكامل عن
بريطانيا. وما عدا ذلك, كانت
هناك قضايا محددة أثيرت بحكم
التطورات الدولية المحيطة بمصر في
ذلك الوقت علي رأسها: العلاقات
المصرية الإيطالية( بسبب الوجود
الإيطالي في ليبيا, وإثيوبيا,
المؤثر علي حدود مصر الغربية,
وعلي مياه النيل), والعلاقات
المصرية الفرنسية( أي قضية قطع
العلاقات مع حكومة فيشي)
والاعتراف بالاتحاد السوفيتي,
فضلا عن مسألة انضمام مصر
لبريطانيا في الحرب الثانية(
والتي عرفت بسياسة تجنيب مصر ويلات
الحرب!) أما سياسة مصر العربية,
فإن أسسها الثقافية والشعبية أخذت
تتجذر منذ بداية الثلاثينيات كصدي
للمواجهة العربية- اليهودية في
فلسطين, قبل أن تتجسد في سياسات
رسمية مع دور مصطفي النحاس الأساسي
في بناء الجامعة العربية, ثم
قرار الملك فاروق بخوض حرب فلسطين
عام.1948
غير أن عبد الناصر, وقد جاء-
ليس فقط كأول مصري يمسك زمام السلطة
في مصر, وإنما أيضا كمعبر عن
طموحات جيل جديد, وطبقة جديدة-
تصور سياسة مصر الخارجية مختلفة
تماما, ومتحررة من كل القيود
التي تكبلها, مستندة فقط الي
تاريخ مصر, وموقعها الجغرافي.
ومن هذا المنظور تساءل عبد الناصر
في' فلسفة الثورة':' ما هو
دورنا الإيجابي في هذا العالم
المضطرب, وأين هو المكان الذي
يجب أن نقوم فيه بهذا الدور ؟'.
وأجاب محددا الدوائر الثلاث
الشهيرة لحركة مصر, ودورها في
العالم, أي الدوائر: العربية,
والأفريقية, والإسلامية!
ولاشك أن مصر, بزعامة عبد الناصر,
انطلقت للحركة النشطة, علي تلك
الدوائر بحيوية ونشاط غير مسبوقين
لتمارس' أدوارها'. وزاد عليها
ـ كما جاء بعد ذلك في' الميثاق'
الدائرة الأفرو-آسيوية,
والدائرة العالمية أو الأمم
المتحدة. وبعبارة موجزة, فإن
عبد الناصر استبدل بسياسة خارجية
محدودة, مرتبطة بمقتضيات
السياسة البريطانية, سياسة
خارجية طموحة, تنطلق من تصور'
لأدوار' تلعبها مصر, حتي وإن
كانت تتجاوز قدراتها وإمكانياتها!
الاستقلال والحياد:
من ناحية ثانية, وإذا كان عبد
الناصر في خياراته الداخلية قد
تأثر بعصره, وعبر عنه فإن هذه
الحقيقة تبدو أوضح ما يكون في
سياسته الخارجية. فقد نبذ عبد
الناصر الديمقراطية في حقبة ازدهرت
فيها النظم الشمولية والسلطوية في
العالم, وحبذ عبد الناصر
الاشتراكية في حقبة شهدت صعود
الاتحاد السوفيتي والمعسكر
الاشتراكي. وبالمثل, فإن
تصور عبد الناصر عن دور مصر تزامن
مع ازدهار حركة التحرر الوطني في
العالم الثالث, بما في ذلك سعي
البلاد العربية للتحرر من
الاستعمار. وفي الواقع, فإن
نشأة عبد الناصر وتبلور وعيه
السياسي إنما تمت في قلب المرحلة
التي شهدت بزوغ الحركات القومية في
آسيا وأفريقيا, بعد الحرب
العالمية الأولي( بزعامة
أتاتورك في تركيا, وسعد زغلول في
مصر, رغاندي في الهند, وصن
يات سن في الصين). ثم تزامنت
حركته السياسية النشطة, ثم
زعامته للثورة مع موجة التحرر
الوطني, بعد الحرب العالمية
الثانية, والمعارك الضارية التي
خاضها عديد من شعوب آسيا وأفريقيا
ضد الامبراطوريات الاستعمارية(
البريطانية والفرنسية) الآفلة.
ولاشك أن تحقيق( استقلال مصر)
من خلال جلاء الإنجليز كان هو
الهاجس الأول لعبد الناصر. وقد
اتقن الجمع بين أسلوب التفاوض مع
الإنجليز, جنبا الي جنب مع الضغط
عليهم والعمل الفدائي في منطقة
القناة. ومع أن عبد الناصر قبل
في اتفاقية الجلاء أن يسلم بحق
بريطانيا في العودة في حالة تهدد
حلفائها في المنطقة, إلا أن ذلك
الوضع انتهي بعد معركة السويس عام1956,
والغاء معاهدة الجلاء,
والإستيلاء علي القاعدة
البريطانية في القناة. وتحقق
لمصر- لأول مرة في عصرها الحديث-
استقلالها الكامل.
والواقع أن' أزمة السويس'
كانت( مثلما أصبحت أزمة الخليج
بعدها بـ35 عاما!) علامة علي
افول نظام عالمي, وبزوغ نظام
جديد, حيث أسدلت الستار علي
بقايا الدور القديم' لبريطانيا
العظمي', وكرست علي مسرح السياسة
الدولية التنافس المتنامي بين
المعسكرين الشيوعي والرأسمالي.
غير أن الأهم من ذلك, أن تلك
الأزمة دشنت مشاركة مصر الفاعلة في
ريادة العالم الثالث, بعد أن
كانت أسسها قد وضعت بالفعل في مؤتمر
باندونج عام.1955 وكانت وقفة مصر
عبد الناصر ضد العدوان,
وانتصارها السياسي, نموذجا
ملهما لبلاد آسيا وأفريقيا وأمريكا
اللاتينية, لما يمكن أن تحققه
دولة صغيرة تصر علي حرية إرادتها.
وكان ذلك بدوره هو الأساس المتين
الذي قامت عليه حركة الحياد
الإيجابي, وعدم الإنحياز, في
السنوات التالية, والتي كان عبد
الناصر في مقدمة قادتها ورموزها
بلاشك.
العروبة وإسرائيل:
ثالثا, أن عبد الناصر, وإن
كان ابن عصره أيضا في تعبيره عن
التجاوب المصري مع العرب, إلا
أنه نقل هذا التجاوب الي مرحلة
الالتحام والقيادة. ومرة ثانية
نلاحظ أن نشأة عبد الناصر,
وتبلور وعيه, تزامنت مع حقبة نمو
الوعي العربي في مصر منذ بداية
الثلاثينيات بتأثير اشتداد الأزمة
في فلسطين واندلاع الثورة العربية
فيها ضد اليهود, فضلا عن نشاط
العرب المشرقيين في مصر, وخروج
المثقفين المصريين للمشرق العربي,
وتحسن سبل المواصلات مع بلدانه.
وانعكس ذلك كله في اهتمام شعبي
ورسمي شامل, علي كل المستويات,
بقضية فلسطين, وهو الأمر الذي
بلغ ذروته بعد ذلك- كما ذكرنا-
في قيام مصر بزعامة مصطفي النحاس
بالدور الرئيسي في إنشاء الجامعة
العربية, ثم قرار الملك فاروق
بدخول حرب فلسطين!
لقد اختلف ذلك المناخ جذريا عما كان
سائدا قبله بعقدين أو ثلاثة فقط!
فدعوة مصر من أجل الاستقلال في
بداية القرن إنما ارتبطت فقط
بالتوجهين: الإسلامي(
الأفغاني, وعبده, ورضا..),
والمصري( لطفي السيد, قاسم
أمين...) أما التوجه العربي فكان
غائبا, أو ذيلا للتوجه الإسلامي.
بل الأكثر من ذلك, فإن التوجه
العربي الخالص الذي كان يظهر في ذلك
الحين في الشام, وتبلور سياسيا
وعسكريا في حركة الشريف حسين إبان
الحرب الأولي, وتلقي الدعم من
بريطانيا ضد الامبراطورية
العثمانية, كان موضع شك من
المصريين الذين كانوا يعادون
بريطانيا, ونظر بعض زعمائهم الي
الدولة العثمانية كحليف لهم.
ولذلك كان سعد زغلول في زعامته
لثورة19 علي أساس الفكرة المصرية
الخالصة هو أيضا ابن عصره, ولا
يستحق النقد الذي وجهه اليه عبد
الناصر في الميثاق بأنه لم يتطلع
الي الحركة العربية خارج سيناء!
وفي واقع الأمر, فإن معارك عبد
الناصر الأولي: صفقة الأسلحة
التشيكية, فتأميم القناة, ثم
معركة1956.. جذبت إليه بقوة إعجاب
ملايين العرب الذين كانوا يسعون
للحصول علي الاستقلال, أو
يجاهدون لتثبيته. وسرعان ما
تجاوب عبد الناصر مع هذا الإعجاب
والتأييد, وخاطب الجماهير
العربية مشددا علي المحاور الثلاثة
التي شكلت آلامها وآمالها:
محاربة الاستعمار, والتصدي
لإسرائيل, والدعوة للوحدة
العربية. ولم يكن غريبا في هذا
السياق أن حصل عبد الناصر علي حب
وتأييد عربي كاسح لم يحظ به زعيم
عربي في التاريخ المعاصر علي
الإطلاق! وعندما جسد عبد الناصر
هذا الأمل في الوحدة المصرية
السورية وصلت شعبيته الي ذروتها,
حتي وإن كانت تلك الوحدة قد قامت
فعليا علي أسس واهية متسرعة,
تلاشت مثل حلم جميل عابر!
في هذا السياق العام, كانت مواقف
عبد الناصر ضد إسرائيل,
باعتبارها كيانا دخيلا مصطنعا,
مغتصبا لأرض فلسطين وحقوق شعبها,
وتابعا للاستعمار والامبريالية
إحدي أعمدة شعبيته العربية.
ولكن هذا لم يعن في الواقع-
وطبقا لكل الدراسات الجادة لأفكار
ومواقف عبد الناصر- أن تسوية
الصراع مع إسرائيل كانت علي رأس
جدول أعماله, بل- علي العكس-
لقد تصور عبد الناصر ذلك الصراع
كعملية تاريخية طويلة ومتعددة
المراحل, وأن الفائز في هذا
الصراع لن يتحدد علي أرض معركة
عسكرية, ولكنه سوف يتحدد من خلال
عملية المنافسة العربية-
الإسرائيلية علي بناء القاعدة
الاجتماعية- الاقتصادية.
ولذلك لم يمتلك عبد الناصر خطة
إجرائية لتحرير فلسطين, وإن كان
قد اهتم ببناء وتراكم القوة
المصرية بشكل عام, والقوة
العسكرية بشكل خاص, بدءا من
إبرام صفقة الأسلحة التشيكية عام1955,
ثم الاعتماد بشكل مطرد علي السلاح
السوفيتي, وحتي محاولة امتلاك
أسلحة غير تقليدية( مثل محاولة
تصنيع الصواريخ في مصر, والتي
قوبلت برد فعل هستيري من جانب
إسرائيل).
انفراد بالقرار:
لا يباري عظمة الأهداف الخارجية
التي توخاها عبد الناصر, إلا
قصور كثير من الوسائل والسياسات
التي اتبعها لتحقيق تلك الأهداف.
فلاشك- أولا- أن عبد الناصر
انفرد باتخاذ القرارات الأساسية
للسياسة الخارجية. وطبقا لواحدة
من أفضل الدراسات عن اتخاذ قرار
السياسة الخارجية لدي عبد الناصر(
محمد السيد سليم, التحليل
السياسي الناصري), فإن هيكل
اتخاذ القرار تمثل فيما يسمي
بـمجموعة' القائد المسيطر'
أي' مجموعة صغيرة من الأفراد,
يسيطر عليهم قائد سلطوي واحد يتصرف
بمفرده أو بدون تشاور حقيقي مع باقي
أفراد المجموعة, كما أنه قادر
علي اتخاذ أي قرار حتي بدون موافقة
أي أو كل أفراد المجموعة' وبحكم
التعريف, فإن أفراد المجموعة
يشاركون القائد السلطوي معظم آرائه
في السياسة الخارجية, كما أنهم
يتلقون المعلومات عن طريقه,
وبالتالي, فإن معظمهم يتجه الي
تأكيد تفضيلات القائد أو ما يعتقد
أنه تفضيلات القائد'. والواقع أن
هذه المجموعة لم تنتظم في هيكل رسمي
أو دستوري محدد باستثناء فترة مجلس
قيادة الثورة( التي انتهت
بانتخاب عبد الناصر رئيسا
للجمهورية في1956), وفترة إنشاء ما
سمي بـ' مجلس الرئاسة' في
سبتمبر1962, الذي لم يعمل فعليا
إلا في الستة شهور الأولي من تشكيله,
قبل أن يفتر حماس عبد الناصر له.
أما السلطة التشريعية( مجلس
الأمة) أو أجهزة السلطة
التنفيذية الأخري أو التنظيم
السياسي الواحد, فلم يكن لأي
منها أي دور يذكر في قرارات السياسة
الخارجية. وكانت قضايا السياسة
الخارجية مستثناه من أعمال مجلس
الوزراء, أما وزارة الخارجية'
فقد اقتصر دورها علي رصد الأحداث
العالمية, وتقديم التوصيات
الفنية للرئيس, وتنفيذ السياسات
والقرارات التي اتخذها الرئيس'
حيث كانت قرارات السياسة الخارجية
تصدر من الرئاسة دون استشارة وزارة
الخارجية! فإذا كان عبد الناصر-
وفقا لهذا التحليل- مسئولا عن
انجازات السياسة الخارجية
وقراراتها الإيجابية الحاسمة,
فإنه يظل أيضا هو المسئول عما أصاب
تلك السياسة من نكسات وكوارث,
لاشك أن أخطرها كان قرار سحب قوات
الطواريء وما أعقبه من تداعيات
انتهت بهزيمة.1967
شعبية قاتلة!
من ناحية ثانية, نستطيع الآن أن
نقول بدرجة عالية من الثقة, أن
عبد الناصر كان في سياساته
الخارجية بشكل عام, وتجاه
الصراع العربي الإسرائيلي بشكل خاص,
أسير الشعبية الجارفة التي تحققت
له في العالم العربي عقب معركة
السويس, حيث بدا بصورة البطل
المتحدي للاستعمار والصهيونية,
والرافض دوما لأي تسويات أو
مساومات. لقد حرص عبد الناصر علي
الحفاظ علي هذه الصورة أمام الرأي
العام العربي أو أمام' الجماهير'
العربية, مهما كان الثمن أو
الأساليب, حتي وإن تناقضت في
كثير أو قليل مع جوهر كثير من
سياساته التي كانت معتدلة,
وحريصة.
وعلي سبيل المثال, وفيما يتعلق
بالصراع مع إسرائيل, فإن
الإنسان يصاب بالدهشة الشديدة,
لدي قراءة العديد من خطب عبد الناصر
الجماهيرية وتصريحاته الموجهة
للنخب العربية, بل وبعض
البيانات العربية التي شارك فيها,
والمليئة بالتشدد والإصرار علي'
تحرير فلسطين'!
ولم يتورع عبد الناصر عن أن يصف'
الحبيب بورقيبة', عندما تحدث عام1965
عن إمكانية الاعتراف بإسرائيل
والتعايش معها بأنه' خادم
للاستعمار والصهيونية' وأنه'
باع الوطن العربي'! وفي هذا
السياق, يفيض الدكتور حسن نافعة(
في دراسة ممتازة له في العدد القادم
من' السياسة الدولية) في سرد
هذا الجانب من سلوك عبد الناصر,
ويذكر أنه عندما عقد مؤتمر القمة
العربي الأول بالقاهرة في يناير1964
بدعوة من عبد الناصر أعلن البيان
الذي صدر عنه' اعتبار أن قيام
إسرائيل هو الخطر الأساسي الذي
أجمعت الأمة العربية بأسرها علي
وقفه.. وإن علي الدول العربية أن
تضع الخطط اللازمة, لمعالجة
الجوانب السياسية والاقتصادية
والإعلامية- حتي إذا لم تحقق
النتائج المطلوبة, كان
الاستعداد العسكري العربي الجماعي
القائم, بعد استكماله, هو
الوسيلة الأخيرة العملية للقضاء
علي إسرائيل نهائيا'!
لقد تناقضت تلك التصريحات
والبيانات النارية والعنترية-
كما ذكرنا- مع جوهر سياسة عبد
الناصر الفعلية تجاه إسرائيل والتي
قامت علي أساس المواجهة الحضارية
الشاملة بعيدة المدي للخطر
الإسرائيلي, وعدم وضع أي خطة
عاجلة' لتحرير فلسطين'. غير
أن هذا التناقض يثير ملاحظتين
هامتين: أولهما, أن عبد
الناصر كان دوما عرضة' لابتزاز'
من النظم والأحزاب' الثورية'
العربية.., والتي دأبت- بشكل
مؤسف ومريب- علي المزايدة علي
سياسات وأقوال عبد الناصر, وعلي
أن' تعيره' بالتخاذل في
مواجهة إسرائيل, وخاصة فيما
يتعلق بالسماح بمرور السفن
الإسرائيلية في خليج العقبة,
وهو ما تكرر بعد1967 عندما قبل
مبادرة روجرز! ومن المنطقي أن
نتصور أن سلوك عبد الناصر المعلن
كان- علي الأقل في جانب منه-
رد فعل لتلك المزايدات المشبوهة!
غير أن الأخطر من ذلك- ثانيا-
هو أن تلك التصريحات زودت إسرائيل,
بمبررات قوية لأن تعد نفسها لأسوأ
الاحتمالات وأن تخطط لضرب عبد
الناصر في أقرب فرصة. وقد لاحت
تلك الفرصة, كثمرة ناضجة سهلة,
عندما تورط عبد الناصر في طلب سحب
قوات الطواريء الدولية من سيناء
وبدا أمام العالم وكأنه يحشد القوي
العربية للهجوم علي إسرائيل!
وفي صباح الخامس من يونيو1967
صدرت الأهرام وفي صدر صفحتها
الأولي تصريحات عبد الناصر' نحن
أحر من الجمر انتظارا للمعركة,
لكي نجعل العدو يفيق من الأوهام
ويواجه الحقيقة العربية وجها لوجه'!
البناء الداخلي:
وأخيرا يتبقي التساؤل حول علاقة
سياسة عبد الناصر الخارجية,
بأوضاع مصر الداخلية. فلقد ذكر
عبد الناصر في' الميثاق' أن'
السياسة الخارجية لشعب الجمهورية
العربية المتحدة هي انعكاس أمين
وصادق لعمله الوطني' أي أن
الطابع' الوطني' و'
التقدمي' لسياساته الداخلية كان
لابد وأن ينعكس علي سياسة مصر
الخارجية. غير أن ما هو أهم من
ذلك, يثيره سؤالان أخيران,
وهما: هل استندت طموحات عبد
الناصر الخارجية الي امكانيات
مصرية حقيقية وكافية.. أم أن
كثيرا من تلك الطموحات والسياسات
كانت علي حساب الشعب المصري,
والدولة المصرية ؟ إن حرب اليمن
وتداعياتها وظروفها هي واحدة من
القضايا الكبري التي كانت-
وماتزال تثير- هذا التساؤل!
غير أن من المؤكد بشكل عام أن قصور
الانجاز الداخلي, والعيوب
الجسيمة التي شابت النظام الناصري
سياسيا واقتصاديا, جعلت كثيرا
من سياساته الخارجية غير مستندة
الي أساس متين من القوة
والامكانيات يبررها, ويدعمها!
أما التساؤل الثاني فهو- علي
العكس: هل كانت السياسات
الخارجية الناصرية, تخدم دائما
مقتضيات البناء الداخلي وتدعيم
الاقتصاد المصري ؟ والاسهام في
رفاهية الشعب المصري وتقدمه ؟ إن
حالة تأميم القناة وبناء السد
العالي تشير بالإيجاب عن هذا
السؤال, ولكن ذلك لم يكن هو
الحال دائما في الكثير من القرارات
والسياسات: العربية أو الدولية!
|
| |
| |
| |
| |
|